من علماء الاجتماع من حاول البحث التغير الاجتماعي من خلال ما يعرف بالأنماط الثنائية المثالية، وذلك من خلال محاولة اشتقاق وبناء نموذجين تجريديين، يمثل أحدهما الأشكال الأولى للمجتمعات ويمثل النموذج الثاني الشكل الذي تتطور إليه هذه المجتمعات.

النموذج الثنائي ودوره في التغير الاجتماعي عند كولي:

لاحظ كولي وجود أن العلاقات الاجتماعية تخضع لتغير وذلك من خلال تغير الجماعات والمجتمعات، ويتغير شكل العلاقات من علاقات أولية وقد أسماها كولي فيما بعد العلاقات الثانوية، الجماعات البشرية في البداية وما بقي منها من جماعات أولية تعرف بأنها صغيرة الحجم، وتنتشر في هذه الجماعات العلاقات الحميمة والشخصية، وتعرف بعلاقات الوجه للوجه ويعرف أعضاء الجماعة بعضهم البعض ويرمز له بضمير (النحن).


كما أن كولي يرى أن وجود وقيام جماعات تختلف عن ما جاء به سميث عن الجماعات الثانوية، وتتصف هذه الجماعات بعلاقات غير شخصية ومن الممكن أن تكون علاقات غير مباشرة تقوم على العلاقة بين الأدوار الاجتماعية وليس الأشخاص أنفسهم، وما يميز هذه الأدوار يوجد فيها نوع من التخصص.

الأنماط الثنائية ودورها في التغير الاجتماعي عند تونيز:

تناول تونيز التغير في نمط الجماعة الجماعية إلى مجتمع حديث معقد التركيب يتمثل في ما أطلق عليه تونيز (gesselschaft)، وقد اعتبر تونيز طبيعة الإرادة معيار من أجل تصنيفه والإرادة الطبيعية تمثل النموذج الأول والذي يقترن بالجماعات المتجانسة والمترابطة والتي تربط ما بينها علاقات قرابة أو مكانية ووجود ثقافة تتسم بالبساطة، ويتفاعل الأفراد فيها بكامل شخصه ويتميز بولاء مطلق للجماعة.


أما ظهور الإرادة العقلانية فيرتبط بظهور الشكل الثاني من الجماعات التي يتمثل بالمجتمع الذي تسود فيه علاقات عقلانية مبنية على المصلحة والعضوية والطوعية، ويوجد في هذا المجتمع جماعات متعددة ومختلفة ويمتاز المجتمع بأنه بوجود درجة عالية من تقسيم العمل ويكون التفاعل بين الجماعات على أساس تعاقدي.

الأنماط الثنائية ودورها في التغير الاجتماعي عند إيميل دوركايم:

إيميل دوركايم تحدث في كتابه الذي يحمل عنوان (تقسيم العمل في المجتمع) عن نمطين من المجتمعات وذلك على أساس طبيعة الرابطة الأساسية في كل منهما، وجعل الزيادة السكانية هي أساس زيادة درجة تقسيم العمل والتحول من مجتمع أساسه الروابط الآلية إلى مجتمع يقوم على الروابط العضوية.


حيث يتصف الشكل الآلي بتجانس والانسجام الثقافي ودرجة متدنية وقليلة من تقسيم العمل المتباين والمختلف وتسود في هذا النوع من المجتمعات الروابط الآلية مثل القرابة، ويقوم الناس في هذا المجتمع بما يتوقع من دون سؤال، في حين يقوم الشكل الثاني على الروابط العضوية التي تمثل اعتماد متبادل بين الأعضاء والتي أساسها درجة عالية من تقسيم العمل.

الأنماط الثنائية ودورها في التغير الاجتماعي عند ريدفليد:

يميز ريدفليد بين نمطين اجتماعيين هما النمط الشعبي والنمط الحضري حيث يمتاز النمط الأول ببناء ثقافي بسيط وسهل ومشترك وموحد وجماعات قرابية في حين تظهر درجات من التباين والاختلاف الثقافي والاجتماعي في المجتمعات الحضرية ويمتاز المجتمع الحضري بظهور سلطة مركزية ورسمية.

الأنماط الثنائية ودورها في التغير الاجتماعي عند بيكر:

قد قام بيكر بتقديم ثنائية على الأساس الديني مقابل العلماني، في المجتمع الديني تنتشر وتسود تعبدية وتمسك بالعادات والتقاليد التي تعززها المعتقدات الدينية والشعائر الجماعية، وينظر إلى المؤسسات مثل الأسرة التي تحمل النظرة القدسية لها مما يعيق ويعطل عملية التغير الاجتماعي، ومن يخالف الجماعة أو ما هو موجود وقائم يتهم بالزندقة والصعلكة.


المجتمع العلماني يعزز وينتشر فيه العقلية المتسائلة والمتشككة والناقدة التي تسعى إلى اكتشاف بدائل ووسائل أفضل وأكثر كفاءة، وليس هناك ما هو مقدس، وليس هناك ما لا يمكن التساؤل فيه فجميع المؤسسات وأنماط وأشكال السلوك والنظم التي تخضع إلى النقد والتساؤل.

تجارب الأنماط الثنائية ودورها في التغير الاجتماعي:

تمثل التجارب للأنماط الثنائية محاولات من أجل وصف الصورة النموذجية العامة للأشكال الأولى للجماعات والمجتمعات الإنسانية، ثم الصورة النموذجية التي تصل لها ولا يعني هذا زوال وانتهاء خصائص النموذج الأول بقيام النموذج الثاني.


فإن الكثير من خصائص النموذج الأول تبقى وتستمر حتى لو عند بعض الجماعات أو الشرائح في النموذج الثاني، ويظهر الخليط بين ما هو قديم وما هو جديد في عملية التحول والتغير، وتمثل حالة المجتمات العربية هذا الظرف التحولي الذي يجمع بين القديم والحديث.


إن الكثير من المجتمعات الإنسانية لا تزال تمثل النموذج التقليدي والقديم ويظهر ذلك من خلال الخصائص الديموغرافية والاقتصادية والتعليمية والسياسية والدينية، وعمل معظم هذه المجتمعات على تحديث وتجديد ذاتها ولكن عملية التغير تحمل نوع من الصعوبات ولا تتم عملية التغير دون حدوث زعزات في البناءات القديمة مما يعرضها إلى حالة من التحلل المعياري والاجتماعي.