تطوير نظريات الثقافة في الأنثروبولوجيا الثقافية:

 

تطور نظريات الثقافة في الأنثروبولوجيا الثقافية في أوروبا:

 

تطور علم الأنثروبولوجيا الثقافية بشكل مختلف نوعًا ما في أوروبا وأمريكا الشمالية، ولا سيما في الولايات المتحدة خلال القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين ومع كل منطقة تم المساهمة بأبعاد جديدة لمفهوم الثقافة، حيث كان العديد من علماء الأنثروبولوجيا الأوروبيين مهتمون بشكل خاص بالأسئلة المتعلقة بكيفية تنظيم المجتمعات وكيف ظلت مستقرة ومتأخرة بعد فوات الوقت، وسلّط هذا الضوء على الاعتراف الناشئ بأن الثقافة والمجتمع ليسا نفس الشيء.

 

وكانت الثقافة تم تعريفها بواسطة إي بي تايلور على أنها معرفة ومعتقدات وعادات، لكن المجتمع هو أكثر من مجرد أفكار مشتركة أو عادات، ففي كل مجتمع يرتبط الناس ببعضهم البعض من خلال المؤسسات الاجتماعية مثل العائلات والمنظمات السياسية والشركات، وغالبًا ما ركز علماء الأنثروبولوجيا في جميع أنحاء أوروبا أبحاثهم على فهم شكل ووظيفة هذه المؤسسات الاجتماعية، وطور علماء الأنثروبولوجيا الأوروبيون نظريات الوظيفة لشرح كيفية مساهمة المؤسسات الاجتماعية في تنظيم المجتمع والحفاظ على النظام الاجتماعي.

 

وبرونيسلاف مالينوفسكي يعتقد أن التقاليد الثقافية قد تم تطويرها كاستجابة لاحتياجات بشرية محددة مثل الطعام والراحة والأمان والمعرفة والتكاثر وسبل العيش الاقتصادية، حيث تتمثل إحدى وظائف المؤسسات التعليمية مثل المدارس على سبيل المثال، في توفير المعرفة التي تعد الناس للحصول على الوظائف والقيام بها ومساهمات في المجتمع، وعلى الرغم من إنه فضل مصطلح الهيكلية الوظيفية.

 

إلا أن عالم الأنثروبولوجيا البريطاني أ.ر. رادكليف براون كان مهتمًا أيضًا بالطريقة التي تعمل بها الهياكل الاجتماعية للحفاظ على الاستقرار الاجتماعي في المجتمع، وبمرور الوقت بمثابة الهيكل الاجتماعي الأكثر أهمية لأن العلاقات الأسرية تحدد الكثير حول العلاقات الاجتماعية والسياسية والاقتصادية للفرد وتكررت هذه الأنماط من جيل واحد إلى آخر، ففي وحدة عائلية يكون فيها الأب هو المعيل وتبقى الأم في المنزل لتربية الأبناء.

 

ستكون الأدوار الاجتماعية والاقتصادية لكل من الزوج والزوجة محددة إلى حد كبير من خلال مسؤولياتهم المحددة داخل الأسرة، وإذا كبر أطفالهم لمتابعة بنفس الترتيب، ستستمر هذه الأدوار الاجتماعية في الجيل القادم، وفي القرن العشرين أصبحت المناهج الوظيفية شائعة أيضًا في الأنثروبولوجيا في أمريكا الشمالية، لكنها في النهاية فقدت شعبيتها، وواحدة من أكبر الانتقادات للوظيفة هو أنها ترى الثقافات مستقرة ومنظمة وتتجاهل أو لا تستطيع تفسير التغيير الاجتماعي.

 

وتكافح الوظيفية أيضًا لشرح سبب قيام مجتمع ما بتطوير نوع معين من المؤسسات الاجتماعية بدلاً من الآخر، وساهمت وجهات النظر الوظيفية في تطوير مفاهيم أكثر تعقيدًا للثقافة من خلال ترسيخ أهمية المؤسسات الاجتماعية في تماسك المجتمعات، بينما لا يزال تحديد التقسيم بين ما هو ثقافي وما هو اجتماعي معقدًا، وساعدت النظرية الوظيفية لتطوير مفهوم الثقافة من خلال إثبات أن الثقافة ليست مجرد مجموعة من الأفكار أو المعتقدات، ولكن يتكون من ممارسات ومؤسسات اجتماعية محددة تعطي بنية للحياة اليومية وتسمح للإنسان والمجتمعات بالعمل.

 

تطور نظريات الثقافة في الأنثروبولوجيا الثقافية في الولايات المتحدة:

 

أثناء تطوير الأنثروبولوجيا في أمريكا الشمالية أي كندا والولايات المتحدة والمكسيك، كان مساهمة كبيرة قدمتها المدرسة الأمريكية للأنثروبولوجيا في القرن التاسع عشر والعشرين وكان هو مفهوم النسبية الثقافية، وهي فكرة ومفهوم أن الثقافات لا يمكن أن تكون موضوعية لأن جميع البشر يرون العالم من خلال عدسة ثقافتهم الخاصة، والنسبية الثقافية تختلف عن التمركز العرقي لأنها تؤكد على فهم الثقافة من وجهة نظر المطلعين.

 

والتركيز على الثقافة جنباً إلى جنب مع فكرة النسبية الثقافية كانت متميزة في الأنثروبولوجيا الثقافية في الولايات المتحدة من الأنثروبولوجيا الاجتماعية في أوروبا، وكانت طريقة مراقبة المشاركين في العمل الميداني تغييرًا ثوريًا لممارسة الأنثروبولوجيا، ولكنها في الوقت نفسه قدمت مشاكل يجب التغلب عليها، والتحدي هو الابتعاد عن المركزية العرقية والقوالب النمطية العرقية والمواقف الاستعمارية والمضي قدمًا من خلال تشجيع علماء الأنثروبولوجيا على الحفاظ على معايير أخلاقية عالية وعقول متفتحة.

 

حيث يعتبر فرانز بواس عالم الأنثروبولوجيا الأمريكي معترف به لإعادة توجيه علماء الأنثروبولوجيا الأمريكيين بعيدًا عن التطور الثقافي ونحو النسبية الثقافية، كما أن فرانز بواس درس اولاً العلوم الفيزيائية في جامعة كيل في ألمانيا، ولأنه كان عالماً مدرباً كان مألوفاً باستخدام الأساليب التجريبية كطريقة لدراسة موضوع ما، حيث تعتمد الأساليب التجريبية على أدلة يمكن اختبارها باستخدام الملاحظة والتجربة، وفي عام 1883 ذهب فرانز بواس في رحلة استكشافية جغرافية إلى جزيرة بافين في القطب الشمالي الكندي.

 

وسط الأسكيمو عام 1888 حيث أمضى الوقت في جزيرة بافين في دراسة ثقافة ولغة شعب الإسكيمو المركزي، وهو درس كل جانب من جوانب ثقافتهم مثل الأدوات والملابس والملاجئ، وكانت هذه الدراسة أول مساهمة رئيسية لفرانز بواس في المدرسة الأمريكية للأنثروبولوجيا وأقنعته أن الثقافات لا يمكن فهمها إلا من خلال نطاق بحث ميداني واسع، كما لاحظ في جزيرة بافين، أن الأفكار الثقافية والممارسات تتشكل من خلال التفاعلات مع البيئة الطبيعية.

 

وكانت التقاليد الثقافية مناسبة للبيئة التي يعيشون فيها، وقاده هذا العمل إلى تعزيز النسبية الثقافية أي مبدأ مفاده أن الثقافة يجب أن تُفهم وفقًا لشروطها الخاصة بدلاً من مقارنتها بثقافة خارجية اساسي، وكانت هذه نقطة تحول مهمة في تصحيح التحدي المتمثل في التمركز العرقي في العمل الميداني الإثنوغرافي، وغالبًا ما يُعتبر فرانز بواس منشئ الأنثروبولوجيا الأمريكية لأنه درب الجيل الأول من علماء الأنثروبولوجيا الأمريكيين بما في ذلك روث بنديكت ومارجريت ميد وألفريد كروبر.

 

تطور نظريات الثقافة في الأنثروبولوجيا الثقافية بواسطة طلاب فرانز بواس:

 

واستخدام التزامًا بالنسبية الثقافية كنقطة انطلاق، حيث واصل هؤلاء الطلاب تحسين المفهوم للثقافة، إذ استخدمت روث بنديكت إحدى أوائل طالبات فرانز بواس النسبية الثقافية كنقطة انطلاق للتحقيق في ثقافات الشمال الغربي والجنوب الغربي الأمريكي، وكتابها أنماط الثقافة الكتاب الأكثر مبيعًا عام 1934، أكد أن الثقافة تمنح الناس أنماطًا متماسكة للتفكير والتصرف، وجادلت بأن الثقافة تؤثر على الأفراد نفسياً، وتشكل سمات الشخصية الفردية والقيادة، ويظهر أعضاء الثقافة سمات متشابهة مثل الميل نحو العدوانية أو الهدوء.

 

وكانت روث بنديكت أستاذة في جامعة كولومبيا وأثرت بدورها بشكل كبير على طالبتها مارغريت ميد التي أصبحت فيما بعد واحدة من أشهر عالمات الأنثروبولوجيا الثقافية الأمريكيات، حيث كانت مارغريت ميد رائدًا في إجراء البحوث الإثنوغرافية في وقت كان الانضباط في الغالب من الذكور، ونُشر بحثها عام 1925 عن الفتيات المراهقات في جزيرة تاي في جزر ساموا، وكشف كتابها “بلوغ سن الرشد في ساموا” عام 1928 أن المراهقين في ساموا لم يتعرضوا لنفس الإجهاد والصعوبات العاطفية مثل تلك الموجودة في الولايات المتحدة.

 

وكان الكتاب مساهمة مهمة لمناقشة الطبيعة مقابل التنشئة، مما يوفر حجة مفادها أن الأدوار الثقافية المكتسبة كانت أكثر أهمية من علم الأحياء، كما عزز الكتاب فكرة أن العواطف الفردية والسمات الشخصية منتجات الثقافة، وشارك أيضًا ألفريد لويس كروبر، طالب آخر عند فرانز بواس الالتزام بالبحث الميداني والنسبية الثقافية، لكن كروبر كان مهتمًا بشكل خاص بكيفية الثقافات تتغير بمرور الوقت وتؤثر على بعضها البعض، ومن خلال منشورات مثل (The Nature of Culture).

 

درس ألفريد لويس كروبر العمليات التاريخية التي قادت الثقافات إلى الظهور كتكوينات متميزة وكذلك الطريقة التي يمكن أن تظهر بها الثقافات لتصبح أكثر تشابهًا من خلال انتشار أو نشر السمات الثقافية، وكان ألفريد لويس كروبر مهتمًا أيضًا باللغة والدور الذي تلعبه في نقل الثقافة، وكرس الكثير من عمله كمهنة لدراسة اللغات الأمريكية الأصلية في محاولة لتوثيق هذه اللغات قبل أن تختفي، واستخدم علماء الأنثروبولوجيا في الولايات المتحدة الثقافة النسبية لإضافة عمق لمفهوم الثقافة في عدة طرق.

 

حيث عرّف السير تايلور الثقافة على أنها تشمل المعرفة العقيدة والفن والقانون والأخلاق والعرف والقدرات والعادات، وفرانز بواس وطلابه أضافوا إلى هذا التعريف من خلال التأكيد على أهمية الانثقاف، وهي عملية تعلم الثقافة في حياة الأفراد، وروث بنديكت ومارغريت ميد وآخرين أثبتت أن الثقافة من خلال الثقافة تشكل الهوية الفردية والوعي الذاتي والعواطف بطرق أساسية، كما أكدوا على الحاجة إلى الشمولية، ومقاربات البحث التي تراعي السياق الكامل للمجتمع بما في ذلك تاريخه.

 

كما أسس ألفريد لويس كروبر وآخرون أهمية اللغة كعنصر من عناصر الثقافة ووثقوا الطرق التي استخدمت بها اللغة لتوصيل الأفكار المعقدة.