عصر سيطرة السلاجقة:

امتدت هذه المرحلة من عام (447 هجري)، يوم دخل طغرل بك السلجوقي بغداد إلى عام (656 هجري)، يوم سقطت بغداد بيد هولاكو المغولي الذي قضى على الخلافة العباسية، وتمتد هذه المرحلة على (209) سنة تعاقب عليها اثنا عشر خليفة تفاوتت مُدة خلافتهم بين سبع وأربعين سنة وهي مدة الخليفة الناصر وبين سنةٍ واحدة وهي خلافة كل من الراشد، والظاهر.

كان الخلفاء في هذه المرحلات على مستوى عالي من العدالة والتقوى والإيمان والحنان على الناس، وقد أحبتهم الرعية حُباً كبيراً حتى ليعمّ الحزن البلاد عندما يتوفى أحد الخلفاء، ولمّا قُتل المسترشد ظهر التأثر واضحاً على الرعية وكذا الحال عندم قُتل الراشد، ولم يُقتل من هؤلاء الخلفاء جميعهم سوى المُسترشد وابنه الراشد. أما قتّل المستعصم آخر خلفاء العباسيين ببغداد فقد كان على أيدي المغول الأعداء فكأنما هو استشهاد.

وقد عاش الخليفة الأول من هذه المرحلة وهو القائم مُدة عشرين سنة (447 – 467 هجري)، وهو الذي استنهض همة طغرل بك السلجوقي لدخول بغداد، وبه بدأت هذه المرحلة وإن كان قد تولى الخلافة في المرحلة السابقة مُدة خمس وعشرين سنة أيضاً. ولم يكن السلاجقة وهم القوة المسيطرة على الخلافة ‏ يتصرّفون مع الخليفة ذلك التصرّف السيء الذي كان يقوم به من سبقهم سواء من القادة الأتراك أم من البويهيين.

قادات الأتراك كانوا عسكريين ذو جهالة ويختلفون فيما بينهم فإذا ظنَّ أحدهم أن الخليفة مال لآخر سعى إلى قتله بصورة من الصور أو إلى سمل عينيه وإهانته، وإن سلوك السلاجقة مع الخلفاء الطيب نسبياً قد أعاد للخليفة هيبته أو مكانته وإن كان بصورة نسبية أيضاً أي يختلف الأمر عما كانت عليه مكانة الخليفة أيام البويهيين ومن سبقهم من المستأثرين بالسلطة المستبدّين بالأمر لما يتبع لهم من جند وعسكر.

وإن كان هذا غير معروف للناس لأن تاريخنا يضرب صفحاً عن الخلفاء الأواخر بسبب الضعف الذي اعترى الدولة العباسية وخلفاءها بل قل من يعرف الخلفاء بعد المتوكل على الله، فهذه المدة الطويلة من الضعف والتي زادت على مائتي سنة (247 – 447 هجري)، قد طغت على ما بعدها، وخاصة أن هذه المرحلة التي نتكلم عنها والتي جاءت بعدها لم يحدث فيها تغيير جذري كتبديل البيت الحاكم أو انتهاء السيطرة الكاملة عن الخلفاء.

ويزيد الأمر من حجب هؤلاء الخلفاء ظهور دولٍ قويةٍ برزت في المنطقة وكان لها دورها في صراع النصارى سواء في الأندلس مثل دولة المرابطين ودولة الموحدين أم في المشرق مثل إمارة آل زنكي ودولة الأيوبيين اللتين انصرفتا إلى قتال الصليبيين بل وحتى العبيديين.

وإن كانت بعضها تتبع الخلافة العباسية وتدين لها بالولاء مثل المرابطين وآل زنكي والأيوبيين فإن بعضها الآخر لا يعترف بسلطة العباسيين عليها وتعد نفسها دولةً قائمة بذاتها مثل الموحدين حيث يُدعى سلطانهم بأمير المؤمنين أو تعد نفسها خلافة خاصةً مثل الدولة العبيدية في مصر، وجميعهم كان لهم دور في مقارعة الصليبيين.

مرحلة الهُجمات الصليبية على بلاد المسلمين:

ويمكن القول في هذه المرحلة نتجت هجومات صليبية شرسة على بلاد المسلمين ابتدأت في الأندلس ومنها انتقلت إلى الأناضول فبلاد الشام ومصر وكانت تحمل الحقد الأسود على الإسلام ولذا فقد ارتكبت جرائم بشعةً جداً وأهلكت الزرع والضرع أثناء سيرها، وكانت تتتذرع النافخون فيه أن المسلمين كانوا يُسيؤون إلى الحُجاج النصارى الذين يقصدون بيت المقدس، وقد حدثت هذه الهجوم بعد الهزائم المُنكرة التي مُني بها النصارى سواء في المشرق في معركة ملاذكرت عام (463 هجري).

على يد ألب أرسلان السلجوقي رغم التفاوت الكبير في قوات الطرفين إذ لم تزد قوات ألب أرسلان على (1/10)، قوات الروم البيزنطيين وسواء في المغرب في بلاد الأندلس في معركة الزلاقة عام (479 هجري)، على يد أمير المُرابطين يوسف بن تاشفين وقد وحدت هاتان الهزيمتان بين الكنيستين النصرانيتين الشرقية والغربية موقتاً وحّمست النصارى على
الانسياح البربري الوحشي على ديار المُسلمين الذي روّع الآمنين وأخاف الناس جميعاً.

ولقد حصل هذا الهجوم على بعض النصر واستقر بعض الصليبيين في إمارات لهم ولكن كان لهذا النصر من جهات ثانية ومن جهات أُخرى إذ استيقظ المسلمين وتحرك في بعضهم الإيمان، وهيّج فيهم روح الجهاد والدعوة إلى الوحدة فقاموا يُقاتلون الصليبيين حتى دحروهم في النهاية وأخرجوهم صاغرين.

وإذا كان الصليبيون قد خرجوا من ديار المسلمين مهزومين إلا أن الحقد لا يزال يغلي في قلوبهم وفي نيتهم البقاء والتشمّي من المسلمين ولكن لا يقدرون على فعل شيء، وقد خرجوا وكأنهم ينظرون إلى الخلف، وقد رأوا من بعيد في شرق بلاد المسلمين قوةً طاغيةً تتكوّن من جديد وفيها عناصر القوة كلها، ومظاهر الإجرام كلها.

نظروا إليها مفكرين وخشوا أن تحتك بالمسلمين فتدين بدينهم وعندئذٍ يكون الخطر الداهم على النصرانية في أوروبا كلها، لذا فكروا وهم يسيرون إلى الغرب مهزومين بأن يكسبوا هذه القوة الجديدة إلى صفهم، وفكروا بإغرائها بالنساء وبتحريضها على المسلمين بوصف بلاد المسلمين لها بأنها الجنان العظيمة التي تنتج العسل وأن أنهارها تجري باللبن.

وهذه القوة ينتقل أهلها في الصحارى المقفرة المجدبة ولعابهم يسيل لهذه الأوصاف مجرد سماع هذه الكلمات وخاصة أن الصينيين كانوا أيضاً يشجعونهم على الانطلاق نحو الغرب إلى ديار المسلمين ليبعدوهم عن ديارهم هم فاتفق الوصف والتشجيع وسارت جموع المغول نحو الغرب بعد أن دفعها قتل شاه خوارزم لرسل جنكيزخان.

انطلقت هذه الحشود المغولية كالقطعان السائمة تحرق الأخضر واليابس. فارتاح لذلك الصليبيون فكان يشيرون إليها بأيديهم للتقدم وهم ينسحبون نحو الغرب مهزومين، حتى دخل المغول المدن الإسلامية الواحدة تلو الأخرى، ووصلوا إلى بغداد فأعملوا فيها الخراب، وقوّضوا الدولة العباسية وذلك عام (656 هجري).

مرحلة ظهور الدويلات لمُحاربة الصليبيين:

وفي هذه المرحلة ظهرت دول كان لها الأثر الكبير في محاربة الصليبيين لذلك علا شأنها وارتفع ذكرها حتى طغى اسمها على الخلافة العباسية بالذات فحجبها، ولم يُعد يذكرها الناس على حين كان يذكر دائماً تلك الدولة الثانية التي تتبع الدولة العباسية أو لا تتبعها مُباشرة، فكانت في المغرب دولة المُرابطين الذين اجتازوا بحر الزقاق، وانتقلوا إلى العدوة الأندلسية، وقاتلوا النصارى الإسبان هناك، وانتصروا عليهم في معركة الزلاقة عام (479 هجري).

وأيضاً يوجد الموحدون الذين كانوا خلفاً للمرابطين وذهبوا أيضاً إلى الأندلس دعماً للمسلمين، وانتصروا على النصارى الإسبان في معركة الأرك عام (585 هجري)، وظهرت في الوقت نفسه دولة آل زنكي في المشرق وقد عملت على تقوية صف المسلمين ومنازلة الصليبيين، ثم قامت بعدها دولة الأيوبيين وقد تمكن صلاح الدين الأيوبي أن ينتصر على الصليبيين وأن يدخل بيت المقدس عام (583 هجري).

وإضافة إلى هذه الدولة التي علا اسمها كانت دولة خوارزم في الشمال الشرقي من العالم الإسلامي وبقيت قائمة حتى قضى عليها المغول عام (629 هجري)، كما قامت دولة الغوريين في الجنوب الشرقي من العالم الإسلامي، وقد عملت على نشر الإسلام في بلاد الهند، إذ تمكنت من فتح دهلي، وبيهار، والبنغال حوالي عام (597 هجري)، وبذا ضمت أجزاء واسعة من الهند إلى بلاد المسلمين.

وفي الوقت الذي بدأت تضعف الدولة العبيدية في مصر بدأ أنصارها في اليمن بالظهور فقامت الدولة الصليحية عام (455 هجري)، وعندما توفي الخليفة المستنصر العبيدي عام (487 هجري)، انقسمت الدعوة إلى فرعين، فرع يؤيد المُستعلي وينتشر في اليمن، والآخر يؤيد نزار وينتشر في فارس والشام.

والجزء الأخير هو الذي يحمل اسم الباطنية أكثر من غيره رغم أن الحركات الباطنية كثيرة، كما تمَّ تلقيب أصحابه اسم الحشاشين، وقد لعب هذا الفرع دوراً كبيراً في قتل الشخصيات البارزة وكان أولها الوزير نظام الملك الذي قتل عام (485 هجري)، وقد حرصوا على قتل صلاح الدين الأيوبي ولكن أنقذه الله منهم، وكانوا يقيمون في قلاع جبلية حصينة.

وكما توسعت هذه الجماعة التي تمَّ دعوتها باسم الإسماعيلية أيضاً فقد ظهرت بقية الفرق الباطنية من نصيرية، ودروز، وإن كانت قد اختلف بعضها مع بعض، وكفر كل فريق الفريق الآخر، إلا أنها جميعها كانت مُعاديةً للإسلام وأبنائه وتدّعى عندما تعيش في وسط مجتمع إسلامي أنها تنتمي إلى الإسلام.

وتوسعت في هذه المرحلة كلمات عجمية فنلاحظ (الأتابكة)، وهي عبارة عن الوالد الأمير و (شحنكية)، وهي عبارة عن المُقاطعة وغيرها من الألفاظ التي غدت مُتداولة في كل الدولة وخاصةً في جناح المشرق. وفي هذه المرحلة قلت الخلافات بين السنيين وغير السنيين وإذ كُسرت شوكة غير السنيين بعد أن زالت دولهم المتعددة والمبتعدة كالبويهيين والحمدانيين أم كانت منحرفةً ضالةً وأيضاً التي تدّعي مثل العبيديين والقرامطة وبعض السامانيين إذ دالت دولة الحمدانيين عام (394 هجري)، وانتهت دولة السامانيين عام (396 هجري)، وزال البويهيون عام (447 هجري).