نظرية سبنسر في طبيعة المجتمع في علم الاجتماع:

 

يعتبر المجتمع جزءاً من النظام الطبيعي للكون، وهو في ذلك يتفق مع داروين وهيجل، ونظريته على هذا الأساس تعتبر نوعاً من التفسير الطبيعي الذي يطبقه على سائر الكون، ويرى أن علم الاجتماع هو محاولة لمعرفة نشأة المجتمع وتركيبه وعناصره وهيئاته ومراحل نموه وتطوره، وغير ذلك من المظاهر التي تخلقها العوامل الطبيعية والنفسية والحيوية، وهي عوامل تؤدي دورها متضافرة في عملية تطورية موحدة.

 

فالتطور الاجتماعي من وجهة نظره هو عملية تطورية عضوية يسميها التطور فوق العضوي والمجتمع الإنساني يمثل أرقى صور هذا التطور، فالمجتمع يشبه الجسم الحي، ويعقد سبنسر ملائمة من حيث التركيب الداخلي، فالمجتمع مزود بجهاز للتغذية مثل الكائن الحي، وهذا الجهاز يتمثل في البيئات والطبقات المنتجة، كما أنه مزود بدورة دموية تتمثل في نظم التوزيع، وطرق المواصلات، ومزود بجهاز هضمي يتمثل في نظم الإستهلاك وجهاز عصبي يتمثل في الجهاز التنظيمي والإدارة الحكومية.

 

ولكن الفروق بين المجتمع والكائن الحي من حيث التركيب تتمثل في أن عناصر الكائن الحي تكون كلاً متماسكاً ومتحداً بصفة مباشرة إتحاداً مادياً ملموساً، بينما نجد أن العوامل التي تؤدي إلى الوحدة في المجتمع عوامل خارجة عن التركيب العضوي في الفرد، وهذه العوامل هي اللغة والعواطف والانفعالات، والأفكار والمعتقدات والتقاليد وغيرها.

 

كذلك فإن الجهاز العصبي في الجسم الحي يشغل مساحة صغيرة وهو العقل بينما هو في الكائن الحي موزع بين الأفراد، فلكل إنسان الحق بالمساهمة في توجيه المجتمع، والمجتمع مثل الكائن الحي أو الفرد ينشأ في صورة بسيطة، ضيقة النطاق ثم يأخذ حجمه في النمو وعدد أفراده في التكاثر وهذا النمو تميز في الأعضاء والهيئات وتعقد في التركيب وهو بذلك ينتقل من التجانس اللامحدود وعندما يقوم المجتمع وتستقر الحياة الاجتماعية فيه تبدأ الظواهر والنظم الاجتماعية في الارتقاء والتطور.

 

وهذه الظواهر في تطورها تتأثر بنوعين من العوامل: داخلية وهي تتمثل في الناحية الفردية، والتكوين الطبيعي، والعاطفي والعقلي للأفراد الذين يكونون المجتمع، أي أن الأفراد يشكلون الظواهر وفقاً لهذه الخصواص الداخلية، وخارجية: وتتمثل في نظرة في البيئة الجغرافية والطبيعية، والمناخية ﻷنها تؤثر بصفة مباشرة على الأفراد، وبالتالي على الظواهر التي هي نتاج ﻷوجه نشاط هؤلاء الأفراد.

 

وإذا كان المجتمع مثل الكائن الحي يمر بالضرورة بمراحل النشوء والارتقاء فإنه يمر أيضاً بمرحلة التدهور والانحلال، وهناك دول ومجتمعات تضعف بعد قوة، وتتدهور بعد مجد وسلطان وتحل مجتمعات جديدة محل تلك التي يصيبها الانحلال، وهكذا فإن هناك خلقاً متجدداً في الحياة الاجتماعية.