تصور المجتمع عند ماركس في عالم الاجتماع:

 

يرى ماركس في مقطع شهير مسيرته الفكرية التي قادته إلى ترك دراسة الفلسفة كي ينكب على دراسة الاقتصاد السياسي، فكتب من أجل تبديد الشكوك التي لاحقتني، شرعت بأول عمل وهو مراجعة نقدية لفلسفة الحق عند هجل.

 

يروي ماركس إذن كيف اقتنع بترك أيديولوجيا هيجل كي يتبنى تصوراً مادياً عن التاريخ، ورسم بالتالي الخطوط الكبرى لهذه المقاربة الجديدة، يكمن أساس المجتمع في الحياة المادية، فعن طريق العمل يقوم الإنسان بإنتاج نفسه وإنتاج مجتمعه، وبالتالي من المناسب أن نبحث عن تشريح المجتمع المدني في الاقتصاد السياسي.

 

إن البنية الاقتصادية للمجتمع هي الأصل الحقيقي الذي يقوم عليه صرح قانوني وسياسي، تتلاءم معه أشكال معينة من الإدراك الاجتماعي، ليس الإدارة ومعرفة الناس هو يحدد وجودهم بل على العكس إن وجودهم الاجتماعي هو الذي يحدد إدراكهم.

 

إن نمط الإنتاج في مجتمع ما يتكون من القوى التي تنتج، وهي تتكون من مواطنين والآلات والتقنيات، ومن علاقات الإنتاج العبودية، المزارعة، الحرفية المأجورة، حيث يكون نمط الإنتاج هذا القاعدة التي تقوم عليها البنى الفوقية السياسية والقانونية والأيدولوجية في المجتمع، وفي وسياق التاريخ تعاقبت عدة أنماط إنتاجية، النمط القديم، والآسيوي، الإقاطي والبرجوازي، ويوصولها إلى درجة معينة من التطور فإن القوى المنتجة تدخل في صراع مع علاقات الإنتاج، ومن هنا يبدأ عصر الثورة الاجتماعية.

 

إن التغيير في الأسس الاقتصادية يترافق مع انقلاب سريع إلى حد ما في صرح الأشكال القانونية والدينية والفنية والفلسفية، باختصار الأشكال الأيدولوجية، التي يعي الناس فيها هذا الصراع ويدفعونه إلى النهاية.

 

ناقش الشارحون طويلاً ما الذي يجب فهمه بدقة من الأساس المادي للمجتمع، وعن الطريقة التي تتشابك بها القوى المنتجة مع علاقات الإنتاج، وحول هذه النقطة غالباً ما تبقى نصوص ماركس غير دقيقة وغامضة ومتقلبة، أحياناً يجاهر بحتمية صريحة وميكانيكية صارمة لقوانين التاريخ، وأحياناً يطرح نظرة أكثر انفتاحاً وتعقيداً للتنظيم الاجتماعي.

 

وفي الواقع يجب أن نفهم أن الأطروحة الرئيسية لماركس تتضح في زمنين، أولاً يريد أن يعارض النظرات المثالية للتاريخ، وبشكل رئيسي نظرة تيار الهيجلين الشباب، الذين انتقدهم بشدة في كتابه الأيدولوجيا، ويزعم هؤلاء المثاليون أن الأفكار تحكم العالم، وأنه في سبيل تغيير المجتمع، يجب فرض أفكار جديدة يدافع ماركس ضد هؤلاء الأيديولوجين، عن مادية من حيث المبدأ، قاطعة بما فيه الكفاية في صياغتها، قادة نقده للهيجلية إلى قلب الأوضاع المثالية، وإلى تأكيد تصور مادي يبدو فيه المجتمع على شكل هرم، قاعدته مؤلفة من أساس مادي، هو الاقتصاد وعليه تنهض السياسة والقانون ثم الأفكار.

 

إن الانتقال من نمط إنتاج إلى آخر يتجلى عن التناقضات الاقتصادية والصراع الطبقي الذي يتجلى عنها، ونجد في بيان الحزب الشيوعي، أن المادية عنيدة والحتمية صارمة، لكن في كتابات أخرى، تبدو التحليلات أكثر تلوناً وتعقيداً، وهكذا عندما يشير إلى الانتقال من الرأسمالية بشكل منتظم إلى تناقضات اقتصادية تؤدي إلى أزمات دورية، لكن هذه الأزمات لا تحدث تبعاً لقوانين لها صرامة القوانين الفيزيائية.

 

يريد مؤلف رأس المال أن يستخلص التناقضات العميقة للنظام الرأسمالي التي تقود إلى الأزمات، لكن يهتم كذلك بإبراز كم هذه القوانين نزوعية، وأن هناك أشكالاً أخرى من النزوع المضاد وأن الظواهر الظرفية تأتي أحياناً لتعيق قوانين النمو أو لتفاقمها.

 

إضافة لذلك لا تكفي هذه الأزمات وحدها لتحريض تدمير النظام الاقتصادي، يلزم ﻷجل ذلك أن تنظيم البروليتاريا وأن تنقض في هجوم على النظام، التمرد وحده لا يكفي على البروليتاريا أن تنظيم في حزب يجب أخيراً أن يكون هذا الحزب واعياً للأهداف التاريخية التي تخصه، لهذا السبب لم يكتف ماركس بتمضية حياته وهو يكتب في مكتبه أو يدرس في قاعة المطالعة في المتحف من أجل تحليل ولادة المجتمع البرجوازي وحياته وموته القريب.

 

فقد شارك بشكل فعال في بناء الأمية الأولى للعمال وساند بنشاط دعائي كثيف الأعمال الثورية للحركة العمالية الناشئة، كلفه هذا النشاط نفياً من ريناني ثم من فرنسا وبلجيكا، إضافة إلى العديد من المشاكل مع الشرطة.

 

تصبح الأفكار قوى مادية عندما تستولي على الجماهير، هكذا كتب ماركس في بيان الحزب الشيوعي، كان لماركس حس عميق بالترابط الجدلي بين القوى الاقتصادية والاجتماعية والأيدولوجية في دينامية التاريخ، إن القوانين الاقتصادية في الرأسمالية التي هي قوانين نزوعية، تحرض أزمات تستطيع أن تخلق تمرداً أو استسلاماً، أما ثورة البروليتاريا فهي إمكانية تاريخية وليست نتيجة لا محيد عنها.