العلوم التربويةعلم النفس

مفهوم التبادل الاجتماعي في علم النفس

يشرح علماء النفس أهمية وجود العلاقات الاجتماعية المتنوعة التي يقوم الفرد ببنائها خلال مسيرته في الحياة، مما يجعل من المهم وضع نموذج ونهج يقوم بتحليل هذه العلاقات والتعرف على أهم النتائج التي تتوصل لها وهل من الممكن أن يستمر الفرد بها أو يلجأ لمفهوم التبادل الاجتماعي.

 

مفهوم التبادل الاجتماعي في علم النفس

 

يعبر مفهوم التبادل الاجتماعي في علم النفس عن منظور نفسي اجتماعي واسع يحاول شرح كيفية تكوين العلاقات الاجتماعية البشرية والحفاظ عليها وإنهائها، حيث أن الفرضية الأساسية لهذا المفهوم هو أن شعور الناس حيال تفاعل أو علاقة معينة يعتمد بشكل أساسي على النتائج التي يرون أنها مرتبطة بها، وبشكل أكثر تحديد يحدد مفهوم التبادل الاجتماعي في علم النفس التكاليف والفوائد المتصورة التي تصاحب تفاعلات الشخص وكيفية تقييمه لها.

 

إلى الحد الذي يُنظر فيه إلى المكافآت على أنها مرتفعة ويُنظر إلى التكاليف على أنها منخفضة، حيث يميل الشخص إلى الشعور بالرضا عن العلاقة وسيبقى فيها، إذا زادت التكاليف المتصورة أو انخفضت الفوائد المتصورة، فإن الرضا عن العلاقة سينخفض ​​ومن المرجح أن ينهيها الشخص.

 

نظرًا لأن مفهوم التبادل الاجتماعي في علم النفس يعتبر مفهوم عام جدًا بطبيعته، يمكن تطبيقه بسهولة لفهم مجموعة متنوعة من العلاقات الاجتماعية والمواقف الاجتماعية المختلفة، على سبيل المثال يمكن أن توفر مبادئ التبادل الاجتماعي نظرة ثاقبة للعلاقات التجارية والصداقات والشراكات والصداقة بين الناس، ومن بين أنواع أخرى من الارتباطات الاجتماعية، بالإضافة إلى ذلك يمكن تطبيق هذه المبادئ لفهم العلاقات التي تشمل الأفراد أو المجموعات الاجتماعية.

 

الخلفية النظرية ومبادئ مفهوم التبادل الاجتماعي في علم النفس

 

يستند مفهوم التبادل الاجتماعي في علم النفس على فكرة أن الناس يسعون إلى تعظيم المكافآت وتقليل التكاليف في أي علاقة اجتماعية معينة، حيث يمكن أن تتكون المكافآت من أي شيء ملموس أو غير ملموس يعتبره الفرد ذا قيمة، على سبيل المثال قد توفر العلاقات التجارية العديد من الفوائد الملموسة مثل الدخل أو السلع المادية، بالإضافة إلى العديد من الفوائد المجردة مثل المكانة والشعور بالأمان.

 

تشمل التكاليف أي شيء يعتبره الفرد غير مربح أو يرى أنه يتطلب قدرًا كبيرًا من الوقت أو الجهد، على سبيل المثال قد تنطوي العلاقات الاجتماعية والمقربة على تكاليف مثل الأعمال المنزلية المشتركة وقضاء الإجازات مع الأهل، حيث يعتبر تقييم المكافآت والتكاليف ذاتيًا للغاية لأن ما هو مجزي لفرد واحد قد لا يكون مجزيًا تمامًا لشخص آخر، وبالمثل فإن ما يعتبر مجزيًا في علاقة واحدة قد لا يُنظر إليه على أنه مجزي في مشاركة اجتماعية مختلفة.

 

تؤثر تقييمات الناس للمكافآت والتكاليف المتصورة على مدى رضاهم عن علاقاتهم والاستقرار النسبي لتلك العلاقات، حيث يتم تحديد الرضا عن العلاقة من خلال النظر في مستوى مقارنة نتائج الفرد أي المعيار الذي يحكم الشخص من خلاله على نتائج علاقته الحالية، على سبيل المثال يمكن للشخص أن يقارن نتائجه الحالية مع تلك التي تلقاها في علاقة سابقة من نوع مماثل.

 

لذلك يمكنك مقارنة كيف تسير الأمور لشخص معين مع صديقه الحالي مع كيف سارت الأمور مع الشركاء الزملاء السابقين، إلى الحد الذي تتجاوز فيه النتائج الحالية للشخص نتائجه السابقة، ومنها يكون الشخص راضيًا عن العلاقة ويرغب في استمرارها، لكن إذا كانت النتائج الحالية للشخص لا تقارن بشكل إيجابي بنتائجه السابقة، يصبح الشخص غير راضٍ ويقل احتمال أن يعمل على تعزيز العلاقة.

 

يقارن الأشخاص نتائجهم الحالية ليس فقط بالنتائج السابقة ولكن أيضًا بالنتائج التي يمكن أن يتلقوها الآن في العلاقات المحتملة الأخرى ويشار إليها بمستوى المقارنة للبدائل، حيث أنه بقدر ما تكون النتائج التي يراها الناس ممكنة ضمن علاقة بديلة أفضل من تلك التي يتلقونها في علاقتهم الحالية، فمن غير المرجح أن تستمر في العلاقة الحالية.

 

تخضع نسب المكافأة إلى التكلفة ومستويات المقارنة للتغيير بمرور الوقت، حيث يقوم الأفراد باستمرار بتقييم ما اكتسبوه وخسروه في علاقاتهم في مفهوم التبادل الاجتماعي في علم النفس، هذا يعني أن العلاقات التي وجدها الشخص مرضية في وقت ما قد تصبح غير مرضية لاحقًا بسبب التغييرات في المكافآت والتكاليف المتصورة، وقد يحدث هذا لأن بعض العوامل قد تصبح أقل مكافأة أو أكثر تكلفة بمرور الوقت، على سبيل المثال قد يكون أداء بعض الأنشطة الرياضية مجزيًا للغاية بالنسبة للأصدقاء المقربين ولكنه قد يصبح أقل مع انخفاض العاطفة والعفوية على مر السنين.

 

تعتمد تصورات الناس لعلاقاتهم أيضًا على ما إذا كان يُنظر إلى التبادلات التي تحدث على أنها عادلة، حيث أن التبادل المنصف أو العادل ضروري لتجنب الصراع بين شركاء العلاقة، على سبيل المثال افتراض أن هناك تبادلًا إيجابيًا لجميع الأطراف المشاركة في علاقة مستمرة، لكن أحد الطرفين يتلقى مزايا أكبر بكثير من الآخر، قد يُنظر إلى مثل هذا السيناريو على أنه غير عادل لأن عدالة التوزيع غير موجودة أي يتم توزيع النتائج بشكل غير متساوٍ، في هذه الحالة قد يشعر الأفراد الذين لديهم نتائج أسوأ بالاستغلال ولديهم مشاعر سلبية تجاه شريكهم في التبادل، مما قد يؤثر في النهاية على مدى التزامهم بمواصلة العلاقة.

 

مثال على مفهوم التبادل الاجتماعي في علم النفس

 

خريج جامعي حديث يقبل وظيفته الأولى في شركة كبيرة لأنها تتمتع بسمعة ممتازة وتدفع جيدًا، في البداية يحب الخريج الوظيفة الجديدة، ومع ذلك في نهاية المطاف يدرك أن مشرفه لا يعامل الخريج باحترام، وأنه مرهق جدًا لدرجة أنه لا يوجد سوى القليل من الوقت للاستمتاع بالراتب الكبير، ومنها ينظر الخريج في ترك الوظيفة الحالية وبدء شركته الخاصة.

 

يُنظر إلى هذا على أنه أمر مرغوب فيه لأنه سيسمح للخريج أن يكون رئيسه الخاص وأن يحدد ساعات عمله، ثم يحصل الخريج على ترقية في العمل، لم يعد مضطرًا إلى العمل لساعات عديدة وخالية من المشرف السابق، يقرر الخريج تجديد العقد مع المؤسسة.

 

حدود مفهوم التبادل الاجتماعي في علم النفس

 

يعتبر مفهوم التبادل الاجتماعي في علم النفس محدود في بعض النواحي، على سبيل المثال لا يتناول دور الإيثار في تحديد نتائج العلاقات الاجتماعية والشخصية والأسرية، أي أن الناس لا يتصرفون دائمًا بطرق المصلحة الذاتية أي تعظيم المكافآت وتقليل التكاليف، على سبيل المثال في العلاقات الاجتماعية في بعض المجموعات والفريق المحدد يتصرف الناس بشكل جماعي من خلال السلوك الجمعي، ويعملون لصالح شريكهم أو الأعضاء المشاركين، وأحيانًا يكون ذلك بتكلفة كبيرة على الذات.

 

لذلك على الرغم من أن مبادئ مفهوم التبادل الاجتماعي في علم النفس لها آثار على أنواع مختلفة من العلاقات الاجتماعية إلا أنها قد تفسر بعض أنواع العلاقات بشكل أفضل من غيرها.

 

المصدر
مبادئ علم النفس الحيوي، محمد أحمد يوسف. الإنسان وعلم النفس، د.عبد الستار ابراهيم.علم النفس العام، هاني يحيى نصري.علم النفس، محمد حسن غانم.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى