العلوم التربويةعلم النفس

مفهوم التبرير الأخلاقي في علم النفس

أمضى علماء النفس الأخلاقيين حياتهم في تطوير أنظمة التبرير الأخلاقي والدفاع عنها، هل يجب أن نبرر بالرجوع إلى سلطة أعلى، أو أعراف اجتماعية، أم أعظم فائدة لأكبر عدد؟ ومع ذلك لم يقم أحد بالتشكيك أو التحليل في سياق النظرية الأخلاقية في مفهوم التبرير نفسه أو صحته، ومنها يتم تفسير أن التبرير الأخلاقي لا يمنح الناس أدوات لاتخاذ القرارات الأخلاقية، على العكس تماما إنه يسهل اللامسؤولية الأخلاقية وبالتالي يقوض المشروع الأخلاقي بأكمله.

 

مفهوم التبرير الأخلاقي في علم النفس

 

يعتبر مفهوم التبرير الأخلاقي في علم النفس هو عملية يحاول من خلالها الشخص الذي يقوم بتقييم فعل مشكوك فيه أخلاقيًا أن يجعله يبدو صحيحًا، حيث يبحث هذا الشخص عن طريقة لإلقاء الضوء بشكل إيجابي على مثل هذا الفعل من أجل الحفاظ على ضمير مرتاح، بمعنى آخر إنه نوع من الكيمياء حيث يتم تحويل الأفعال البغيضة عن طريق الجدال المقنع إلى شيء مقبول، إن لم يكن إيجابيًا تمامًا.

 

يؤدي من الشر إلى الخير كما يقولون، حيث أنه إذا كان هناك شيء يبدو جيدًا لدرجة يصعب تصديقه، فمن المحتمل أن يكون كذلك، لكن يعتبر مفهوم التبرير الأخلاقي في علم النفس ذات حيلة الرائعة خدعت الناس لمئات السنين، واستمر بعض علماء النفس والباحثين والفلاسفة في نفس هذه الحيلة.

 

الناس بارعين بشكل مثير للدهشة في تبرير أفعالهم المشكوك فيها وخاصة لأنفسهم، بالنسبة للأشخاص الأذكياء الذين يجيدون التحليل أو التلاعب، فإن هذه الحيلة من مفهوم التبرير الأخلاقي هي لعبة أطفال، إذا كان التبرير الأخلاقي في صالح الذكاء واللامبالاة، فينبغي أن يتوقف العديد من الناس عنها، حيث يعتبر التبرير الأخلاقي عن قرب هو بحث عن التبريرات، والاختلاف الوحيد هو التعقيد الأكبر للحجج التبريرية، هل هذا ما نريد أن نشجع الناس على فعله عندما يكونون مضطربين أخلاقياً؟ هل نريدهم أن يقضوا وقتًا في البحث عن ثغرات وطرق لتبييض أو كنس ما يخبرهم ضميرهم بأنه ليس صحيحًا تمامًا؟

 

التبرير الأخلاقي هو وسيلة لإخراج الشخص نفسه من المأزق، ومن الناحية الأخلاقية كما وصفها ألبرت باندورا جيدًا في مقالته عن فك الارتباط الأخلاقي في ارتكاب الأعمال اللاإنسانية، إنها حيلة تُستخدم لإسكات الهواجس الأخلاقية، حيث يقول أن إعادة الهيكلة المعرفية للسلوك السلبي الضار من خلال التبرير الأخلاقي، وتعقيم اللغة وتبرئة المقارنات هي أقوى مجموعة من الآليات النفسية لفك السيطرة الأخلاقية.

 

يعتبر التبرير الأخلاقي إحدى الاستراتيجيات الرئيسية التي يتبعها الأشخاص الذين ارتكبوا فظائع لاحقًا في خدمة هدف نبيل، وهي عملية يتبعها أي منا على أساس يومي حيث نرتكب القليل من الأكاذيب والقسوة والظلم في وجودنا اليومي، الناس المنغمسين في ثقافة التبرير ليس من المرجح أن يقولوا لأنفسهم أنا كاذب إننا نستحق الأفضل وعلينا أن نصحح هذا، فعادة التبرير الأخلاقي تشجع الناس على أن يقولوا لأنفسهم بدلاً من ذلك، لقد فعلنا ذلك من أجل مصلحتنا، وهذا يجعل كذبنا على ما يرام.

 

منها يقول باندورا لا ينخرط الناس عادة في سلوك سلبي حتى يبرروا لأنفسهم أخلاقيات أفعالهم، وفي عملية التبرير الأخلاقي هذه يصبح السلوك السلبي مقبولًا شخصيًا واجتماعيًا من خلال تصويره على أنه يخدم أهدافًا اجتماعية أو أخلاقية، حيث يمكن للناس بعد ذلك التصرف وفقًا لواجب أخلاقي والحفاظ على نظرتهم لأنفسهم كعامل أخلاقي بينما يلحقون الأذى بالآخرين.

 

مع التبرير الأخلاقي كأمر مسلم به فلا عجب في هذه الأيام أن الأشخاص المحافظين الذين يهتمون بالمبادئ الثابتة والذين نشأوا مع مبادئ مثل خطأين لا يصنعان حقًا والغايات لا تبرر الوسيلة، حيث تم الترحيب بعمل باندورا بشكل إيجابي، وهناك جهود مبذولة على قدم وساق لنموذجة سلوك مختلف للأفراد ذوي السلوك المعادي وغيرهم من الأشخاص العنيفين.

 

النظرية الاجتماعية المعرفية لمفهوم التبرير الأخلاقي في علم النفس

 

وفقًا للنظرية الاجتماعية المعرفية للفاعلية الأخلاقية للتبرير الأخلاقي لباندورا ترتبط المعايير الأخلاقية بالأفعال الأخلاقية من خلال عمليات التنظيم الذاتي التي تراقب وتنظم وتقيم تصرفات الأفراد، حيث تنتج عمليات التنظيم الذاتي هذه عقوبات ذاتية من خلال الشعور بالذنب والندم وإدانة الذات، وذلك عندما يدرك الأفراد أنهم يرتكبون خطأ، ويوافقون على الذات أي الشعور بقيمة الذات عندما يتعرفون على أنفسهم على النحو الصحيح.

 

ومع ذلك لا يمكن اختزال التنظيم الذاتي للأخلاق في عمليات داخل النفس في مفهوم التبرير الأخلاقي في علم النفس، ولكنه جزء لا يتجزأ من سياق اجتماعي ديناميكي، حيث أن الفاعلية الأخلاقية هي مكان اجتماعي وتمارس بطرق خاصة، ومنها تتبنى النظرية الاجتماعية المعرفية منظورًا تفاعليًا حول الأخلاق والتبرير الأخلاقي، حيث تكون العوامل الظرفية والسياقية مهمة في تفسيرها.

 

لفهم الفجوة بين المعايير الأخلاقية والأفعال، اقترح باندورا مفهوم التبرير الأخلاقي في علم النفس والذي يشير إلى مجموعة من التشوهات المعرفية التي تخدم الذات والتي يمكن من خلالها إلغاء تنشيط آليات التنظيم الذاتي ويمكن فك العقوبات الذاتية الأخلاقية، مما يجعل بدوره من الممكن التصرف بشكل غير إنساني أو عدواني دون الشعور بالذنب أو الندم، يبرر الأفراد السلوك غير الأخلاقي من أجل مساعدة أنفسهم على تجنب العقوبات الذاتية التي عادة ما تنجم عن مثل هذا السلوك.

 

بهذه الطريقة يسهل مفهوم التبرير الأخلاقي في علم النفس ويعزز السلوكيات اللاإنسانية، حيث أظهرت الأبحاث النفسية أن الأطفال والمراهقين الذين يتنمرون على الآخرين أكثر من أقرانهم يميلون إلى إظهار انفصال أخلاقي أكبر من أقرانهم، فعلى وجه التحديد يتضمن مفهوم التبرير الأخلاقي في علم النفس استخدام غايات جديرة أو أغراض أخلاقية لمعاقبة الوسائل الضارة ووصف السلوك اللاإنساني أو العدواني بطريقة يجعل الفعل يبدو أقل سلبية أو أكثر احترامًا، وجعل الفعل السيئ يبدو أقل سوءًا وأكثر قبولًا من خلال مقارنته بفعل أسوأ.

 

يتضمن مفهوم التبرير الأخلاقي في علم النفس تقليل المسؤولية الشخصية من خلال النظر إلى أفعال الفرد على أنها نابعة من السلطات، أو إضعاف المسؤولية الشخصية بسبب وجود أو مشاركة أشخاص آخرين، والتقليل الإدراكي إلى الحد الأدنى أو تجاهل أو إساءة فهم الآثار السلبية أو الضارة للسلوك غير الإنساني، والنظر إلى الأفراد على أنها مسؤولة عن أو معاناتها.

 

في حين أن مفهوم التبرير الأخلاقي في علم النفس هو من الناحية النظرية والمفاهيمي بناء متعدد الأبعاد، فإن الغالبية العظمى من الدراسات في مجال العدوان قد فحصته وقياسه على أنه بناء أحادي البعد، لذلك لا يزال هناك الكثير من المعرفة حول الدرجة التي يمكن أن ترتبط بها آليات التبرير الأخلاقي المختلفة بارتكاب العدوان، على الرغم من أن كل أو معظم بؤر أو آليات التبرير الأخلاقي قد ترتبط بشكل إيجابي بارتكاب السلوك السلبي، فقط عدد قليل من الدراسات قد فحصت ارتباطاتهم مع ارتكاب التنمر عندما يتم تضمين جميع الآليات في نفس النماذج.

 

المصدر
مبادئ علم النفس الحيوي، محمد أحمد يوسف.الإنسان وعلم النفس، د.عبد الستار ابراهيم.علم النفس العام، هاني يحيى نصري.علم النفس، محمد حسن غانم.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى