تعرف العادة بأنّها هي فكرة يضعها الإنسان في ذهنه ويربط بها مشاعره ويكررها أكثر من مرة حتى يعتقد العقل أنّها جزء من سلوكه، حيث يقوم الفكر بإنشاء وبناء عادات وتثبت هذه العادات بفعل التكرار والروتين، فيصبح لها حيز في العقل وتصبح أقوى كلما تم تكرار السلوك فيتخزن في العقل الباطن، وعند مواجهة الفرد ذات المواقف فيقوم تلقائيًا بالتصرف كما اعتاد وبنفس الأسلوب، وأوضح آخرون بأنّ تعريف العادة هو صورة من صور الأعمال والنشاط بحيث يكون في بادئ الأمر خاضعًا للإرادة والشعور بشكل دقيق لوجود التعلم لهذا النشاط حتى يصبح تكراره تلقائيًا ويصبح عادة.

سمات العادة العقلية

 

إنّ هناك احتمالية أنّ هذه العادة ستستمر بعد زوال الهدف من النشاط الأصلي، بحيث أنّها تصبح بذلك أحد أنواع السلوك الذي تم اكتسابه والذي يتكرر في مواقف مماثلة، ولقد شبّه المربي الأمريكي (Horseman) نمو العادة العقلية بالحبل الذي ينسج في كل يوم خيطًا من خيوطه وفي النهاية لا يمكن للفرد قصه، وبذلك نستنتج من هذا المفهوم بانّ العادات العقلية هي عملية بنائية وتطورية ينتج عنها في نهاية الأمر الإنتاج والابتكار، وتتضمن العادة العقلية مجموعة من المهارات والاتجاهات والقيم وكذلك الخبرات السابقة.

 

وبهذا المعنى فإنه يشمل إجراء عملية الاختيار من بين عناصر الموقف بناءً على مبدأ أو قيم معينة يفضلها الفرد، بحيث يعتقد الشخص أنّ تطبيق هذا النمط في هذه الحالة هو أكثر فائدة من الأنماط الأخرى، وهذا يتطلب مستوى من المهارة في تطبيق السلوك بشكل فعال وإدامته، وأشار الفقيه إلى أنّ عادات العقل كلها سلوك متكرر بصورة لا إرادية وتختلف هذه العادات فيما بينها في درجة تمكينها وترسيخها في السلوك البشري حسب مدة ممارستها، وبذلك يمكن تلخيص سمات العادات العقلية بأنّها تتصف بالاستمرارية والفعالية والرسوخ والتطور والابتكار.

تشكيل عادة عقلية

 

تتكون العادة العقلية بعد القيام بإشباع واحدة من الغرائز في إحدى جوانب السلوك الذي يتوجه إليه الفرد إمّا عن طريق الصدفة أو عن طريق التقاليد والعادات أو عن طريق الانجذاب لذلك السلوك، بعد ذلك يقوم الفرد بتكرار هذا السلوك بكامل رغبته لأنّه وجد فيه من اللذة والمتعة بالرغم من تعثره وعدم قدرته على القيام فيه في بداية الامر، حيث كان هذا الفرد يستهلك جهد ووقت كبير ويأخذ انتباهه نحو هذا السلوك ومحاولة وخطا وقدر كبير أو قليل من الوجدان، ولكن بعد ذلك يصبح هذا السلوك آلي يقوم به بسرعة ومهارة عالية وبشكل دقيق.

 

فما الذي يساعدنا في القيام بهذه المهام بسرعة ومهارة، حيث إنّ مرونة الجهاز العصبي يمكّن الفرد من تحقيق التكيف مع الطبيعة والتعود والتأقلم معها، وهناك دور للذاكرة من حيث أنّها تقوم بطباعة أثر العادة ثم تقوم بتخيزنها من أجل من مزاولتها وتكرار القيام بها، بمعنى إنّ أشكال العادة الأولية تنبثق عن تكيف العناصر الجديدة مع التصورات السابقة التي هي ليست إلّا من نوع التصورات اللاإرادية.

 

كما إنّ هذا التصور اللاإرادي يتوسع من خلال تجسيد العناصر الجديدة والذي يقود في الوقت نفسة إلى تصور اسمي كالعادة، وفي هذا المستوى من الطبيعي عدم التطرق لمهارة الذكاء عند مستوى هذه العادات الأولية حيث أنّها إذا قورنت بالأفعال اللاإرادية (الارتكاسات)، بمعنى أنّ الأفعال اللاإرادية هي الأفعال التي يقوم بها الفرد من دون العودة إلى الجهاز العصبي المركزي، بل يتم الاكتفاء بوصول الإشارة إلى الأجزاء الخلوية من النخاع الشوكي حتى يقوم بإصدار الأوامر لبدء القيام بالسلوك، وهذا مجال تطبيق العادة فهو ذو مسافات أبعد في الزمان والمكان.

 

هذا يحدث منذ ولادة الإنسان حتى يصبح عمره ثلاثة أشهر ويتم ذلك بتوسع عفوي في مجال تطبيق (الارتكاسات)، فمثلًا مص الإصبع لدى الطفل بشكل منظم ودوري، وعند المرحلة الثانية التي تبدء بالتوافق البصري والحركي أي بين الرؤيا والإمساك والذي يكون ممكنًا في عمر من ثلاثة إلى ستة أشهر بحيث تظهر سلوكيات جديدة التي تنتقل من عادة بسيطة إلى عادة تتصف باستخدام الطفل مهارة الذكاء، ولذلك فالأشياء المدركة تتكرر ويجري البحث عنها بعد اختفائها.

 

لذلك نقول إنّ لخلق عادة عقلية جديدة يحتاج من الفرد ممارسه مركزه ويجب امتلاك فكرة واضحة عما يريد تحقيقه، فعندما يمتلك الفرد الفكرة الواضحة سيستطيع أن يعيد اهتماماته، وكل ما كان التشبث أقوى وأكبر ويكون قادر على التغير بسهولة أكثر وسوف يجد إنّه قادر على إنجاز عمل بشكل طولي.

 

تشكيل العادات العقلية ومهارات التفكير الأساسية

 

أوضح تيشمان إلى أنّ ليس بالضرورة أن يكون لدى الفرد قدرات ومهارات التفكير الرئيسية للقيام بعملية تشكيل العادات العقلية والتي لها دور في إنجاز هذه العملية، بل بدلًا من ذلك من المهم توفير الرغبة والشغف والميول للقيام بذلك في الوقت والظرف الملائم وهذا ما يسعى إليه العقل بشكل دائم، ويبدو أنّ من أهم ما تتطلب إليه تكوين العادة العقلية هو مهارة الانتباه والتي بعد ذلك تنتقل الأمور التي قام الفرد بالإنتباه إليها إلى مستوى الذاكرة -أي تصبح ذكرى- وبالتالي تتم استرجاع الأمور من دون جهد ووقت من الذاكرة.

 

ونتيجة وظيفة العقل الذي يقوم بالعادة ببناء وتكوين عادات فأنّه كان لا بد من ضرورة الربط بصورة مستمرة وبشكل متكرر بين العالم المادي والعالم العقلي وبين السلوك، والذي بدوره سيوفر للفرد ما يتطلبه لتكوين عادة عقلية، ويبدو أنّ هذا يعد أمرًا إيجابيًا بسبب كونه يسمح للفرد بالقيام بتصرفات محددة بصورة آلية من دون الحاجة إلى التفكير فيها، ونتيجة لذلك يتوجه كل الجهد العقلي لجوانب أخرى عوضًا عن التركيز على جوانب يقوم بها الفرد بشكل روتيني في حياته، وبفعل التكرار لهذه السلوكيات ستتبدل وتنتقل إلى عادات، وبالتالي فأنّ تكوين العادات العقلية سيعمل على توفير الوقت والجهد على الفرد في جميع جوانب الحياة.

 

مراحل تشكيل العادات العقلية

 

إنّ تشكيل العادة العقلية يمر بدورين أو مرحلتين:

 

1- دور التكوين: في هذه المرحلة يتم تعلم العادة واكتسابها بشكل تدريجي حيث يكون الأداء يتم بشكل متخبط وغير متقن، وبعد تكرار العمل والتعود عليه يكون العمل متقن وبعيد عن التخبط وبالتالي يحصل الفرد على تلقائية العمل وعفويته فيحصل العمل بصورة آلية.

 

2- دور الاستقرار: في المرحلة الثانية تكون من ميزاتها الثبات والاستقرار بحيث يكون الأداء سهل لا يستغرق بؤرة الشعور، ويعود مسببات الاستقرار للعادة هو النضج الذي وصل إليه الفرد، وتقلص الاهتمام والانتباه والتركيز بالعمل، ومن الأمثلة على ذلك تعلم الطفل الكتابة ففي بداية تعمله تكون حركاته بطيئة وتفتقر للإتقان ثم بعد الممارسة وملازمة سلوك الكتابة تصبح حركته أسرع ومتقنة وتستقر.

 

كما نجد إنّ بعض العادات تصل إلى درجة الثبات ولذلك قيل: العادة هي طبيعة ثانية، فهناك الكثيرون اللذين يحاولون تصحيح عاداتهم ولكنه يفشل في ذلك وذلك لأنّ العادة قد سيطرت عليه بصورة عميقة، ويبدأ المخ يتلقى الإشارات في مواقف معينه وبعدها الذهاب إلى الوضع التلقائي وكيفية التعامل مع الأمر وأي سلوك يتخذ ليبدأ بعد ذلك تكراره والحفاظ عليه.