إنّ وجود العقل مع الفعل يحقق التأمل والتفكّر والتدبر والفهم لأنّ هذا التفاعل يرافقه استراتيجيات عقلية وتغيرات معرفية ينتج عنها تغيرات سلوكية وظيفية حيث إنّها تأتي من عاداتنا العقلية، وفي حياتنا اليومية هناك أنماط سلوك تتكرر تلقائيًا وإذا سأل الفرد نفسه لماذا يتم ذلك؟ لقال إنّها عاداته أو روتينه اليومي أو أنّه معتاد على فعل ذلك، ولكن فعليًا يعود السبب الأساسي لفعل ذلك هو أنّ الإنسان بطبيعته يميل إلى تكرار ما هو مألوف، ويميل إلى بذل أقل جهد لتحقيق أهدافه، ولأنّ هذا المألوف قد لا يعطي الفرد المزيد من تركيز الانتباه لأداء المهام مما يسمح للفرد بأداء أكثر من عمل في الوقت نفسه.

 

تعريف مفهوم عادات العقل لدى الباحثين

 

يُنظر إلى مصطلح العادة (Habit) على أنّه عبارة عن الدافع أو المهارة مكتسبة خلال أداء سلوك معين بصرف النظر عن ما إذا كان هذا السلوك حركي أو عقلي، وبطريقة تلقائية وبسرعة ودقة واقتصاد في الجهد، حيث أنّ تعود الإنسان على سلوك وتصرف معين تجعله يميل إلى تكراره والتشبث به ومقاومة تغييره أو إيقافه، فالطبيعة البشرية تميل إلى بذل أقل جهد لتحقيق أهدافه في أسرع وقت ممكن.

 

كما ورد في مجمع اللغة العربية أنّ العادة تعني ما يعتاده الفرد أي أنّه يعتاد عليها مرارًا وتكرارًا والمثابرة، والعادة هي كل يفعله الفرد حتى يتم القيام به دون جهد، والجمع لمصطلح عادة هو عادات، بينما التفكير عملية عقلية وذهنية يمارسها الفرد بحيوية ونشاط وفاعلية، وعندما يكرر الفرد تلك العملية ويدمن على فعلها وممارستها حتى تصبح آلية وحينها تسمى العادات العقلية، ويتم تعلم العادة في وقت مبكر جدًا من حياة الفرد حيث تساعد في إدارة الأنشطة الروتينية (Routine Activities) والأنشطة المعقدة (Complex Activities)، ويتطلب التعلم في البداية مجموعة من العمليات المعرفية تبدأ بعملية الانتباه والمعرفة والتكرار والممارسة.

 

ما هي قاعدة العادة

 

قيام الفرد بما هو مألوف ومعروف لديه ينشأ بسبب ما تعرف بقاعدة العادة والانصياع لها، مثل نزعة قوية لتكرار السلوك المألوف والتشبث به ومقاومة دخول أي سلوك غريب، فعلى سبيل المثال من اعتاد على إشباع دوافع جوعه بأطعمة محضرة بطريقة خاصة يرفض أكلها إذا كانت محضرة بطريقة أخرى، ومن كان يشعر بالراحة عند القراءة والمطالعة يصعب عليه التحول لنشاط الذهاب إلى السينما أو ممارسة لعبة الشطرنج.

 

كما أنّه من الممكن القول بأنّ العادات إذا استمرت وأصبحت راسخة تصبح من دوافع الفرد الذي تدفعه إلى الاستمرار في السلوك المألوف والذي اعتاد عليه بدلاً من خلق طرق أخرى لإرضاء دوافعنا، وفي الحقيقة إذا شاهد الشخص نفسه بدقة وتتبع من لحظة استيقاظه حتى عودته إلى موعد ذهابه إلى النوم سيرى أنّ معظم أفعاله هي أفعال وصور محددة تتكرر يومًا بعد يوم، حيث سيكرر طريقته بالكلام والمشي وغيرها من الأعمال التي تأتي بنفس الصورة في كل يوم، حتى تصل الأمور إلى أبعد من ذلك من حيث طريقة تفكيره وشعوره بالألم وذهابه إلى العمل وكل هذا يتكرر بوتيرة واحدة تسمى العادة أو التعود، حيث تتحكم سلطان العادة من الجزء الأكبر من السلوك البشري لدرجة قيل أنّ العادة هي الطبيعة الثانية للإنسان.

 

كما قال بعض أهل العلم بأنّ الإنسان يفضل عمل الأعمال المألوفة من القيام بالأفعال الجديدة، فالعادة هي الاستعداد البشري الذي يكتسبه بشكل دائم لأداء وظيفة وعمل ما بصرف النظر عما إذا كان هذا العمل جسديًا أو عقليًا أو فكريًا أو أخلاقيًا بطريقة ميكانيكية سريعة وبصورة اقتصادية توفر الجهد والوقت وبشكل دقيق، مثل الكثير من العادات كعادة السباحة وعادة ضبط النفس وعادة التفكير وغيرها من الممارسات السلوكية التي اعتاد عليها الأفراد في أي حقل من حقول حياتهم، وعادات العقل تمثل الاتجاهات الذهنية والأساليب السلوكية التي تؤدي إلى نجاح الفرد في حياته العامة والخاصة والتي تمكنه من رسم خططه الجيدة لحياته في مختلف الجوانب سواء الأسرية أو الاجتماعية أو الوظيفية أو البحثية.

 

فالعادة تعد للفرد عبارة عن طاقة منظمة لحياته والتي تعود عليه بالأثر الكبير على مجرى حياته، فهي تعمل على تحديد الفكر وتقيد مداه ومداره، حيث من الصعب على الأفراد أن يتركوا عاداتهم تفكيرهم القديمة وينبذوها ويرفضوها، ولا يستطيعون إزالتها بين عشية وضحاها لأنّها متجذرة بعمق في أعماق العقل البشري، ولولا ثباتها لما أصبحت عادة لديهم.

 

تجارب ثورندايك على العادة في التعلم البشري

 

من الممكن اعتبار العادة بأنّها طريقة تأتي بصورة غير مباشرة وتثبت بتعديل الظروف والاختيار وتصحيح الموقف، من أجل القضايا التي تهمنا والتي تؤثر على تحقيق رغباتنا واكتمالها، ويبدو أنّ حقيقة العادة أنّها قدرة مكتسبة تصبح ميلًا أو استعدادًا لأساليب معينة للاستجابة، وليس فقط سلوكيات معينة لأنّه يساهم بشكل دائم في أداء الأفعال الحركية والعقلية والاجتماعية والأخلاقية والعاطفية بطريقة تلقائية وسريعة ودقيقة وبدون مجهود تركيز عاطفي كبير أو عالٍ.

 

نتيجة لذلك نقول إنّ العادة هي نزعة مكتسبة ثانوية لأداء السلوك بطريقة تلقائية، وهذا ما يؤكده ثورندايك بإنّ السمة التلقائية هي ما تسيطر على التعلم البشري، حيث يكتسب الإنسان العادة كما يقول ثورندايك عن طريق التعلم بالخطأ حيث في بادئة الأمر قد يخطئ الفرد في قيامه بعمل معين ثم يستمر بالقيام به إلى حين وصوله مستوى التعود، وعندما يصل إلى نقطة التعود على فعلها هنا تصبح عادة عقلية.

 

توصل ثورندايك إلى هذه النتيجة بعد تجاربه على الحيوانات في بداية الأمر ثم قام بعد ذلك بإجراء تجاربه على الإنسان، الذي لاحظ أنّ القطة الجائعة المحبوسة في قفصه بمحاولة الخروج إلى قطعة السمكة الموضوعة خارج القفص، ولكن فشل ذلك القط في بداية الأمر لذا فإن محاولاته لمواصلة الخروج ومن خلال التقليب العشوائي الخاطئ كان يضغط على مفتاح الباب، ويفتح الباب ويخرج وعند تكرار التجربة لاحظ ثورندايك أنّ الحيوان بدأ يتعلم بعد عدة محاولات للضغط على المفتاح الباب مباشرة والخروج إلى طعامها (قطعة سمكة).

 

ولكن فيما يخص الإنسان فأنّ تعلمه يكون دقيق أكثر وطويل الأجل وبسبب عدم القدرة على التسبب بالجوع للإنسان وحجزه في قفص لمراقبة سلوكه، حيث قام ثورندايك بصنع حلقتين متشابكتين بحيث لا يمكن فصل كل منهما عن الآخر إلّا بطريقة معينة، وعند مراقبة الأفراد تبين أنّ الأفراد لا يختلفون كثيرًا عن القط الذي قام بعدة محاولات عشوائية وفاشلة للحصول على طعامه، فقد قام البعض في شد وجذب الحلقات إلى بعضهما البعض، وقد يقوم بتكرار السلوك حتى وإن كان مرافقًا بالتفكير وحل اللغز لو بالصدفة، ولو تم عرض عليه نفس التجربة مرة أخرى فمن الممكن أن يعيد نفس الأخطاء والتخبط مع تقلص عدد محاولاته إلى أن يتوصل للمعرفة والعادة العقلية في الذاكرة، ثم يخرج هذه العادة في المواقف المشابهه.