لا يزال العديد من علماء النفس ينظرون إلى العقل اللاواعي على أنه ظل للعقل الواعي أي الحقيقي، على الرغم من وجود الآن دليل قوي على أن اللاوعي ليس أقل مرونة أو تعقيدًا أو تحكمًا أو تداولاً أو عملي المنحى من نظيره، حيث يعود هذا التحيز الواعي المركز جزئيًا إلى التعريف العملي في علم النفس المعرفي الذي يساوي اللاوعي مع الوعي.

 

الانتقال بين الوعي واللاوعي في علم النفس

 

تتنوع وجهات النظر المعاصرة حول العقل اللاواعي بشكل ملحوظ، ففي علم النفس المعرفي تمت مساواة معالجة المعلومات اللاواعية بمعالجة المعلومات اللاشعورية، مما يثير السؤال ما مدى جودة العقل في استخلاص المعنى من المنبهات التي لا يدركها المرء بوعي؟ نظرًا لأن منبهات القوة اللاشعورية ضعيفة نسبيًا ومنخفضة الشدة بحكم التعريف، فإن العمليات العقلية التي تقودها هي بالضرورة قليلة وغير معقدة، وبالتالي أدت هذه الدراسات إلى استنتاج مفاده أن قوى العقل اللاواعي محدودة وأن اللاوعي هو بالأحرى غبي.

 

لقد اقترب علم النفس الاجتماعي من عمليات الوعي واللاوعي من زاوية مختلفة، وهناك كان التركيز التقليدي على العمليات العقلية التي لا يكون الفرد على دراية بها، وليس على المنبهات التي لا يعرفها المرء، فعلى مدار الثلاثين عامًا الماضية كان هناك الكثير من الأبحاث حول مدى وعي الناس بالتأثيرات المهمة على أحكامهم وقراراتهم وأسباب سلوكهم، أدى هذا البحث على عكس تقليد علم النفس المعرفي إلى الرأي القائل بأن العقل اللاواعي له تأثير قوي وشامل على مثل هذه العمليات العقلية العليا.

 

لا يزال النموذج الفرويدي للوعي واللاوعي معنا ويستمر في التأثير على عدد الأشخاص الذين يفكرون في اللاوعي، خاصةً خارج علم النفس، حيث إن نموذج فرويد عن اللاوعي باعتباره التأثير التوجيهي الأساسي على الحياة اليومية حتى اليوم، أكثر تحديدًا وتفصيلاً من أي نموذج موجود في علم النفس المعرفي أو الاجتماعي المعاصر، ومع ذلك فإن البيانات التي طور منها فرويد النموذج كانت دراسات حالة فردية تتضمن فكرًا وسلوكًا غير طبيعي، وليس التجارب العلمية الصارمة على مبادئ السلوك الإنساني القابلة للتطبيق بشكل عام والتي تُعلم النماذج النفسية.

 

على مر السنين لم تكن الاختبارات التجريبية لطيفة مع تفاصيل النموذج الفرويدى، على الرغم من أن الأدلة النفسية المعرفية والاجتماعية تدعم فرويد فيما يتعلق بوجود عقل غير واعي وقدرته على التأثير على الأحكام والسلوك، بغض النظر عن مصير نموذجه المحدد فإن أهمية فرويد التاريخية في الدفاع عن قوى العقل اللاواعي لا شك فيها.

 

تعتمد الطريقة التي ينظر بها المرء إلى قوة وتأثير اللاوعي بالنسبة للأنماط الواعية لمعالجة المعلومات إلى حد كبير على كيفية تعريف الشخص اللاوعي، فحتى وقت قريب جدا في تاريخ العلوم والفلسفة، وكان يعتبر الحياة العقلية كليا أو واعية أساسا في الطبيعة، إي أن أسبقية الفكر الواعي في كيفية تفكير الناس تاريخيًا بالعقل موضحة اليوم في الكلمات التي نستخدمها لوصف أنواع أخرى من العمليات التي تعتبر كلها تعديلات أو مؤهلات لكلمة واعي، علاوة على ذلك كان هناك إجماع كبير فيما يتعلق بصفات عمليات التفكير الواعي فهي مقصودة ويمكن التحكم فيها بطبيعتها ومتاحة للوعي.

 

أسباب معارضة معالجة المعلومات اللاشعورية في علم النفس المعرفي

 

نحن نعارض معادلة علم النفس المعرفي للوعي واللاوعي بمعالجة المعلومات اللاشعورية لعدة أسباب تتمثل من خلال ما يلي:

 

1- يعتبر التعريف التشغيلي للوعي واللاوعي غير طبيعية ومقيِّدة بلا داعٍ.

 

2- لا تحدث المنبهات اللاشعورية بشكل طبيعي فهي بحكم تعريفها ضعيفة جدًا أو مختصرة لدرجة لا تسمح لها بالدخول إلى الإدراك الواعي.

 

3- من غير العدل قياس قدرة اللاوعي من حيث كيفية معالجته للمنبهات اللاشعورية لأن العمليات اللاواعية مثل الوعي تطورت للتعامل والاستجابة للمنبهات التي تحدث بشكل طبيعي في القوة العادية، وإن تقييم اللاوعي من حيث معالجة المنبهات اللاشعورية يشبه تقييم ذكاء السمكة بناءً على سلوكها خارج الماء.

 

هل اللاوعي ذكي أم غبي في علم النفس

 

نظرًا لأنه تم التعامل مع اللاوعي على أنه لا شعوري أو كيف يتصرف الأشخاص الأذكياء عند التفاعل مع المنبهات التي لا يدركونها، كان الإجماع الذي توصل إليه المساهمين ومحررو القضايا النفسية في علم النفس هو أن اللاوعي في الواقع غبي بقدر ما هو قادر فقط من الأنشطة الروتينية للغاية ولا يدرك إلا القليل بدون مساعدة من الوعي، لاحظ أنه على الرغم من أن اللاوعي قد يكون غبيًا فيما يتعلق بالمنبهات اللاشعورية.

 

إلا أنه لا يزال أكثر ذكاءً من الوعي، والذي لا يمكنه حتى معرفة أن مثل هذه المحفزات قد تم تقديمها، وأن التنشيط والتعلم النقابي البدائي يمكن أن يحدث دون وعي، أي شيء معقد يتطلب استجابة مرنة، أو تكامل المحفزات أو العمليات العقلية العليا لا يمكن أن يحدث.

 

ومع ذلك فإن مصطلح اللاوعي كان له في الأصل معنى مختلف، حيث أشار أول استخدام للمصطلح في أوائل القرن التاسع عشر إلى السلوك المستحث بالتنويم المغناطيسي حيث لم يكن الشخص المنوم على دراية بأسباب سلوكه، وفي أصل الأنواع استخدم داروين المصطلح للإشارة إلى عمليات الاختيار اللاواعي في الطبيعة وقارن بينها وبين الاختيار المتعمد والمتعمد الذي شارك فيه المزارعين ومربي الحيوانات منذ فترة طويلة لتطوير سلالات أفضل من الذرة والأبقار السمينة.

 

بينما فرويد الذي نسب الفضل في أبحاث التنويم المغناطيسي المبكرة إلى الاكتشاف الأصلي للعقل الباطن، استخدم أيضًا مصطلحات الوعي واللاوعي للإشارة إلى السلوك الإنساني والتفكير الذي لم يكن مقصودًا أو سببًا بوعي على سبيل المثال زلات فرويد وتقريبًا جميع الأمثلة الواردة في علم النفس المرضي للحياة اليومية تتضمن سلوكًا غير مقصود، كان مصدره أو سببه غير معروف للفرد، وفي جميع هذه الحالات يشير مصطلح اللاوعي إلى الطبيعة غير المقصودة للسلوك أو العملية، وما يصاحب ذلك من نقص في الوعي لم يكن من المحفزات التي أثارت السلوك ولكن لتأثير أو عواقب تلك المحفزات.

 

وبالتالي فإن استخدام مصطلح اللاوعي كان في الأصل يعتمد على أفعال الشخص غير المقصودة وليس على قدرة الفرد على معالجة معلومات القوة اللاشعورية حيث أن التكنولوجيا اللازمة لتقديم مثل هذه المعلومات لم تكن موجودة بعد، وهذه المعادلة من اللاوعي مع غير مقصود هو كيف الظواهر اللاوعي تم تصور ودرس في علم النفس الاجتماعي للربع القرن الماضي أو نحو ذلك.

 

فإلى أي مدى يدرك الناس الأسباب الحقيقية لسلوكهم وقادرون على الإبلاغ عنها؟ كانت الإجابة ليس جيدًا جدًا والذي كان مفاجئًا ومثيرًا للجدل في ذلك الوقت نظرًا للافتراض العام للكثيرين بأن الأحكام والسلوك أي العمليات العقلية العليا، وكانت مقصودة بشكل واعي وبالتالي متاحة للإدراك الواعي، إذا لم تكن هذه العمليات في متناول الإدراك فربما لم تكن مقصودة بوعي، وإذا لم تكن مقصودة بوعي فكيف تم إنجازها في الواقع؟