الحرية والقيمة في الفلسفة الوجودية:

لم تتطور الوجودية كثيرًا في طريق الأخلاق المعيارية، ومع ذلك فإنّ مقاربة معينة لنظرية القيمة وعلم النفس الأخلاقي المستمدة من فكرة الوجود باعتباره صنع الذات في الموقف هي علامة مميزة للتقاليد الوجودية، ففي نظرية القيمة يميل الوجوديون إلى التأكيد على الاصطلاحية أو عدم وجود أساس للقيم “المثالية”، وحقيقة أنّها تنشأ بالكامل من خلال مشاريع البشر على خلفية عالم لا معنى له وغير مبال.

ويؤكد علم النفس الأخلاقي الوجودي على حرية الإنسان ويركز على مصادر الكذب وخداع الذات والنفاق في الوعي الأخلاقي، ويجب فهم الموضوعات الوجودية المألوفة مثل القلق والعدم والعبثية في هذا السياق، بينما في الوقت نفسه هناك قلق عميق لتعزيز موقف حقيقي تجاه القيم الإنسانية التي لا أساس لها والتي بدونها لا يمكن لأي مشروع، وهو قلق يتم التعبير عنه في مفهومي “المشاركة” و “الالتزام”.

مثالية القيم في الفلسفة الوجودية:

فكرة أنّ الحرية هي أصل القيمة حيث لا يتم تعريف الحرية من حيث التصرف بعقلانية (كانط) ولكن بالأحرى من حيث المصطلحات الوجودية، مثل الإختيار والتعالي، ولربما تكون الفكرة الأكثر ارتباطًا بالوجودية، وقد كانت هذه النظرة العامة للقيمة مؤثرة للغاية لدرجة أن كارل أوتو أبيل جاء ليتحدث عن نوع من “التكامل الرسمي للوجودية والعلموية(مصطلح يطلق لفكر وسمات العلماء)” في الفلسفة الغربية، والذي وفقًا لما يمكن تبريره بعقلانية يقع تحت “القيمة – الموضوعية الحرة للعلم ” في حين أنّ جميع ادعاءات الصحة الأخرى تصبح مسائل” للذاتية الوجودية للإيمان الديني والقرارات الأخلاقية “.

حاولت الوضعية تقديم نظرية “المعنى المعرفي” بناءً على ما يعتبره المنطق الداخلي للفكر العلمي، وأبعدت الأسئلة ذات القيمة إلى اللامعنى الإدراكي، واختزلتها إلى قضايا الاستجابة الانفعالية والتفضيل الذاتي، في حين أنّه لا يفسر اللغة التقييمية فقط كدالة للمواقف العاطفية، إلّا أنّ الفكر الوجودي مثل الوضعية ينكر أنّ القيم يمكن أن تكون متجذرة في الوجود، أي أنّها يمكن أن تصبح موضوع بحث علمي قادر على التمييز بين الصواب أو الصالح من قيم خاطئة.

وفي هذا الصدد يتحدث سارتر عن “مثالية” القيم، التي لا يعني بها أنّها تتمتع بنوع من الصلاحية الخالدة ولكن ليس لها سلطة حقيقية ولا يمكن استخدامها لضمان سلوكي أو تبريره، وبالنسبة لسارتر “تستمد القيم معناها من الإسقاط الأصلي لنفسي والذي يمثل خياري لنفسي في العالم”.

ولكن إذا كان الأمر كذلك فلا يمكنني بدون دائرية الإحتجاج بالقيم من أجل تبرير هذا الاختيار بالذات أي “أنا أتخذ قراري بشأنها بدون مبرر وبدون عذر” (سارتر)، فكانت هذه “القرارية” المزعومة من الإرث المتنازع عليه بشدة للوجودية وتستحق نظرة فاحصة فيها.

كيف يُفترض أن ترتكز القيم على الحرية؟ يقصد سارتر هنا بكلمة “القيمة” تلك الجوانب من تجربتي التي لا تؤدي فقط إلى التأثير سببيًا على شيء ما، بل تطالبني بالأحرى حيث لا أرى الشخص المتشرد فحسب بل أواجهه على أنّه “يحتاج إلى المساعدة”، ولا أسمع صوت الآخر فحسب، بل أسجل “سؤالاً يتم الرد عليه بصدق”، ولا أسمع فقط المنبه ولكنني “استدعيت للنهوض”.

إذن تظهر القيم كما يكتب سارتر مع طابع المطالب وبالتالي فهي “تطالب بأساس” أو تبرير (سارتر)، فلماذا يجب أن أساعد المتشرد وأجيب بصدق أو أنهض؟، وهنا لا يدعي سارتر أنّه لا توجد إجابة على هذه الأسئلة، لكن الإجابة تعتمد فقط أخيرًا على اختياري لـ “نفسي” والذي لا يمكن تبريره بدوره من خلال مناشدة قيمة ما.

وعلى حد تعبيره “تستمد القيمة وجودها من ضرورتها وليس ضرورتها من وجودها”، فلا يمكن أن تتأسس ضرورة القيمة على الوجود ذاته، لأنّها بذلك تفقد طابعها كواجب، وسوف “تتوقف حتى عن أن تكون ذات قيمة” لأنّه سيكون لها نوع من الضرورة (على عكس الحرية) يمتلكها مجرد سبب.

وهكذا مقابل الحدس النظري للقيمة السارية آنذاك ينكر سارتر أنّ القيمة يمكن أن “تسلم نفسها إلى حدس تأملي يدركها على أنّها قيمة وبالتالي تستمد منها حقها في حريتي”، وبدلاً من ذلك “يمكن الكشف عنها فقط لحرية فاعلة تجعلها موجودة كقيمة من خلال الحقيقة الوحيدة المتمثلة في الاعتراف بها على هذا النحو” (سارتر).

على سبيل المثال لا أفهم ضرورة المنبه (طابعه كطلب) في نوع من الإدراك النزيه ولكن فقط في فعل الاستجابة لها أي القيام، فإذا فشلت في إيقاظ المنبه فقد فقدت ضرورته إلى هذا الحد، فلماذا علي النهوض؟، في هذه المرحلة قد أحاول تبرير طلبها من خلال مناشدة عناصر أخرى من الموقف الذي يرتبط به الإنذار أي يجب أن أقوم لأنني يجب أن أذهب إلى العمل.

من وجهة النظر هذه يظهر طلب التنبيه – وهو – مبررًا، وغالبًا ما يكون هذا التبرير كافياً لإعادتي مرة أخرى، ولكن مسألة أساس القيمة قد تم استبدالها ببساطة أي الآن وظيفتي من خلال مشاركتي النشطة أن تتعامل مع الضرورة التي لا جدال فيها لطلب أو قيمة، لكنها أيضًا تستمد وجودها كقيمة من ضرورتها، أي من مشاركتي غير العاكسة في الممارسة الشاملة للذهاب إلى العمل، بحيث يجب أن أذهب إلى العمل؟ فلماذا لا تكون “غير مسؤول”؟ وإذا كان على الرجل أن يأكل، فلماذا لا تأخذ حياة الجريمة؟ إذا كانت لهذه الأسئلة إجابات ملحة بحد ذاتها، فيمكن أن يكون ذلك فقط لأنني على مستوى أعمق ومنخرط في أنني اخترت نفسي كشخص من نوع معين أي محترم ومسؤول.

لماذا يجب على الفرد أن يلتزم بالقانون؟:

من داخل هذا الاختيار توجد إجابة حول ما يجب أن أفعله ولكن خارج هذا الخيار لا يوجد أي إجابة، فلماذا يجب أن أكون محترمًا وألتزم بالقانون؟، لأنّه فقط تم اتخاذ بعض الخيارات يمكن أن يظهر أي شيء على الإطلاق مقنعًا، مثل تقديم مطالبة لي، حيث فقط إذا كنت منخرطًا على مستوى ما تظهر القيم (وبالتالي التبرير من حيث هذه القيم) على الإطلاق.

كلما انسحبت أكثر من الإنخراط في التفكير في وضعي والتساؤل بشأنه كلما تعرضت للتهديد من الكرب الأخلاقي “وهو الاعتراف بمثالية القيم” (سارتر)، وكما هو الحال مع كل الكرب لا أهرب من هذا الموقف بإكتشاف الترتيب الحقيقي للقيم بل بالعودة إلى العمل، فإذا كان من الممكن فهم فكرة أنّ القيم ليس لها أساس في الوجود على أنّها شكل من أشكال العدمية، فإنّ الإستجابة الوجودية لهذا الشرط في العالم الحديث هي الإشارة إلى أنّ المعنى والقيمة ليست في المقام الأول مسألة نظرية تأملية بل هي نتيجة المشاركة والالتزام.

وبالتالي يمكن تبرير أحكام القيمة ولكن فقط فيما يتعلق ببعض المشاريع الملموسة والمحددة، فيحدد “نمط السلوك” للبرجوازية النموذجية معنى “الاحترام”، وبالتالي فإنّ بعض السلوكيات المعينة تصح إما أن تكون محترمة أو غير محترمة، ولهذا السبب قد أكون مخطئًا بشأن ما يجب أن أفعله، وقد يكون شيئًا ما يبدو ملحًا خلال مسار مشاركتي غير التأملية في العالم هو شيء يجب ألا أستسلم له.

الالتزام – أو “الارتباط” – هو في نهاية المطاف الأساس لحياة ذات مغزى أصيل، أي أنّها تستجيب للشرط الوجودي لكونك إنسانًا ولا تهرب من هذا الشرط من خلال اللجوء إلى نظام مجرد للعقل أو الإرادة الإلهية، ومع ذلك على الرغم من أنني أستطيع وحدي أن ألزم نفسي بطريقة ما في الحياة أو في مشروع ما إلّا أنني لست وحدي عندما أفعل ذلك ولا أفعل ذلك في فراغ اجتماعي أو تاريخي أو سياسي.

وإذا كان التعالي يمثل حريتي الراديكالية في تعريف نفسي، فإنّ الواقعية ذلك الجانب الآخر من كوني تمثل الصفة الموضوعية لهذا صنع الذات، لأنّ الحرية بإعتبارها تجاوزًا تقوض فكرة النظام المستقر والخالد للمعايير الأخلاقية، فلا عجب أنّ الفلاسفة الوجوديين (باستثناء سيمون دي بوفوار) كرسوا قدرًا ضئيلًا من الطاقة لمسائل النظرية الأخلاقية المعيارية، ومع ذلك نظرًا لأنّ هذه الحرية دائمًا ما تقع اجتماعيًا (وبالتالي تاريخيًا)، فمن غير المفاجئ أيضًا أن تكون كتاباتهم معنية بشكل كبير بكيفية تحديد خياراتنا والتزاماتنا بشكل ملموس في سياق الصراعات السياسية والواقع التاريخي.