قصة قصيدة هل كان ضمخ بالعبير الريحا

 

اعتاد الشعراء على مدح الخلفاء والملوك، وكانت تعلو مكانتهم بسبب قربهم من الملك أو من الخليفة أو من الحاكم، ومن هؤلاء الشعراء شاعرنا ابن هانئ الأندلسي الذي كان ذا مكانة مرموقة بسبب إجادته للشعر.

 

أما عن مناسبة قصيدة “هل كان ضمخ بالعبير الريحا” فيروى بأن ابن هانئ الأندلسي ولد في مدينة إشبيلية، فقد هاجر والده من تونس إلى إشبيلية قبل أن يولد، وفيها نشأ وتعلم فنون الشعر واللغة والأدب، وقد اشتهر منذ كان غلامًا صغيرًا، واستطاع أن يجذب انتباه حاكم إشبيلية في ذلك الزمان، الذي أعجب بشعره، وأصبح من المقربين والندماء له.

 

وبقي متصلًا بحاكم إشبيلية حتى بلغ من العمر سبع وعشرين سنة، ولكن شعره بدأ يتسم بملامح المذهب الفلسفي، وطغت عليه النزعة الإسماعيلية، فانزعج منه أهل المدينة، وبدأت الأقاويل تنتشر عنه، حتى أن أهل المدينة بدأوا يتكلمون عن الحاكم نفسه، وتكلموا بأنه لا يترفع عن الشبهة في قصره، وعندما وصلت أقاويل الناس إلى الحاكم طلب من ابن هانئ مغادرة إشبيلية، فخرج من إشبيلية وتوجه إلى المغرب.

 

وعندما وصل إلى المغرب اتصل بجوهر الصقلي ومدحه، ومن ثم اتصل برجل يقال له جعفر بن علي وهو قائد جيوش الخليفة الفاطمي، ومن ثم اتصل بالخليفة الفاطمي المعز أبي تميم معد بن منصور، وبقي عنده في المنصورية بالقرب من القيروان، ومدحه بالعديد من القصائد، ومن تلك القصائد قوله:

 

هل كانَ ضَمّخَ بالعبير الريحا
مُزْنٌ يُهّزُّ البرقُ فيه صَفيحا

 

يمدح ابن هانئ في هذا البيت الخليفة المعز أبي تميم، ويقول فيه بأنه كأنه ريح قد اختلطت بالطيب، وهو كالسحابة التي يهزها البرق كأنه سيف.

 

تُهْدي تحِيّاتِ القُلوبِ وإنّما
تُهْدي بهنّ الوجْدَ والتّبريجا

 

شَرِقَتْ بماء الوَرْدِ بَلّلَ جَيْبَها
فَسَرَتْ تُرَقْرِقُ دُرّه المنْضوحا

 

أنفاسُ طِيبٍ بِتْنَ في درْعي وقد
باتَ الخيالُ وراءهُنّ طَليحا

 

بل ما لهذا البرق صِلاًّ مُطْرِقاً
ولأيّ شمْلِ الشائمين أُتيحا

 

يُدْني الصّباحَ بخَطْوهِ فعلام لا
يُدني الخَليطَ وقد أجَدّ نُزوحا

 

بِتْنا يُؤرّقُنا سَناه لَمُوحا
ويشُوقُنا غَرَدُ الحمامِ صَدُوحا

 

أمُسَهَّدَيْ ليلِ التِّمامِ تعالَيا
حتى نَقومَ بمأتمٍ فَنَنُوحَا

 

وذَرا جلابيباً تُشَقّ جيوبُها
حتى أُضَرّجَها دَماً مسْفُوحا

 

فلقد تجَهّمَني فِرَاقُ أحِبّتي
وغدا سَنِيحُ المُلْهِياتِ بَريحا

 

نبذة عن ابن هانئ الأندلسي

 

هو أبو القاسم محمد بن هانئ بن سعدون، وهو شاعر أندلسي مرموق، كان يوازي شعراء المشرق الفحول بموهبته الشعرية، حتى أنه قد لقب بمتنبي الغرب؛ فقد كان معاصرًا للمتنبي

 

نستنتج أن ابن هانئ الأندلسي فد نشأ في إشبيلية، واتصل بحاكمها، ولكنه وبسبب الأقاويل التي طالته بسببه، طرده منها، فغادر إلى المغرب واتصل بالخليفة الفاطمي المعز أبي تميم معد بن منصور، ومدحه في العديد من قصائده.