ما المقصود بنشأة الصخور وفيزياء الأرض؟

 

أصبحت الجيوفيزياء في عقدنا الحالي نقطة البداية لأغراض متعددة في نشأة الصخور، وبشكل مماثل فإن الجيوفيزيائيين يحتاجون إلى معطيات البترولوجيا لتمييز مواد الأرض التي يقومون بقياس وتعيين خصائصها، ولقد تم دعم نشأة الكون من خلال البرامج الفضائية الحديثة المتعددة، وأصبحت مصدراً خصباً للمعطيات الجيوكيميائية بالنسبة لنشأة الصخور، ولقد وفرت الدراسات المكثفة للعينات الصخرية القمرية نظرات بعيدة إلى العمليات المهلية.

 

أما الدراسات بالأجهزة الحديثة المخبرية لقياس الخصائص الفيزيائية والكيميائية للفلزات والصخور والمصاهير وتعيين العلاقات التوازنية للأطوار في الفلزات والصخور تحت الضغوط العالية عملت على إضافة معطيات قيمة وكثيرة؛ لتفسير القياسات الجيوفيزيائية والعمليات المهلية، كما أن الدراسات النظرية الترموديناميكية والجيوفيزيائية لحركة السوائل قد أستخدمت بنجاح في فهم بنية وتركيب الأرض الداخلية.

 

إن نظريات انسياح قاع المحيطات والصفائح التكتونية قد حددت بنيات تكتونية بمقاييس كبيرة على المقياس الأرضي، متضمنة حركة مجموعة هائلة من الصخور عبر وداخل الأرض (في باطن الارض) باتجاهات أفقية وعمودية، مما أدى إلى نشاط وديناميكية علم البترولوجيا.

 

كما أن العمليات الفيزيائية لهذه الحركات تؤدي إلى تبدلات في الضغط والحرارة وتحولات طورية في الصخور، متضمنة في ذلك الانصهار والمرحلة المهلية الأولى، والآن ببساطة فإن نشأة الصخور وفيزياء الأرض هما جزئان متراكبان ومتشابهان في علوم الأرض المتداخلة، ومن أجل فهم المنشأ المهلي والعمليات المهلية حسب المفهوم الحالي، فإن ذلك يحتاج إلى معرفة تركيب المعطف والقشرة وبُنيتها، ومعرفة توزع المادة داخل المكونات المتعددة لهذه البنيات وتوزيع الحرارة في العمق كعامل للمكان والزمان.

 

وفي يومنا الحالي فإن هذه المواضيع معقدة أكثر مما كانت عليه في السابق، وقد أضافت الصفائح التكتونية بعداً آخر للموديلات الثابتة الأولية للعالم، وهذه تعود إلى تشكل الليثوسفير في الأعراف المحيطية وحركتها الجانبية بعيداً عن الأطراف وانغرازها في نطاق بينوف والحركة الجانبية والعمودية للمادة داخل الأرض.

 

يمكن أن تعزى نشأة الصخور الآن وبنجاح أكبر إلى البيئة التكتونية أكثر من الصفائح التكتونية التي كانت توفره كدليل موجه، لقد تم افتراض أن المهل البازلتية قد أشتقت من البيروديت المعطفي ولكن الخصائص الكيميائية المميزة للبازلت المندفع في بيئات مختلفة (محيطات أو أعراف أو الصفائح التكتونية أو الأطراف المنضغطة للصفيحة أو نطاقات الانهدامات القارية والعتبات القارية)، تشير إلى اختلافات في مصدر المادة والعمليات المنشأية الصخرية.

 

إن سلسلة الصخور الكلسية القلوية المصاحبة لأطراف الصفيحة المضغوطة يمكن أن تتضمن عمليات منشأية صخرية مستقلة عن المهل البازلتي، والمعقدات الإندساسية القلوية للعتبات القارية ذات الصخور النادرة البعيدة في تركيبها عن البازلت والكمبرليت والكربوناتيت واللافا عالية القلوية، ويمكن أن تكون قد أشتقت بالتبلور والتفاضل للمهل البازلتي.

 

ويمكن تتبع آثارها في مخططات نماذج الأطوار المعروفة، ولكن إذا كان الأمر كذلك فإن العملية يجب أن تكون قد استمرت حتى النهايات العظمى، وحالياً فإن معظم البترولوجيين يقدمون مصادر وعمليات غير التبلور والتفاضل للمهل البازلتي؛ وذلك من أجل الأخذ بعين الاعتبار المجموعة الصخرية النادرة.

 

الصفائح التكتونية والنشاطات المهلية:

 

عرفت علوم الأرض ثورة حقيقية لتطور كوكب الأرض مع ظهور نظرية تكتونية الصفائح، فهي تسمح بفهم توزع البراكين على الأرض، وتوقع الاندفاعات البركانية ومكامن المعادن المرتبطة بالنشاط المهلي والنطاقات الجيوحرارية للبراكين التي تشكل أهمية اقتصادية كبيرة.

 

وحسب هذه النظرية فإن القشرة الأرضية تتشكل باستمرار بواسطة الاندفاعات والانسكابات البركانية الهائلة في بعض مناطق الكرة الأرضية وخاصة في نطاقات الأعراف المحيطية المتوسطة، حي تتشكل باستمرار قشرة جديدة من الصخور المهلية البازلتية، ويصل حجم المهل المنسكب كل عام على قاع المحيطات إلى 10 كيلو متر مكعب.

 

وستبتعد هذه التشكيلات البركانية عن المركز المولد بالتدريج (حيث تنشأ الأعراف والانهدامات المحيطية المتوسطة) لتفسح مجالاً لانسكابات جديدة؛ وذلك في غضون الأزمنة المتتالية (ظاهرة توسع وانسياح القيعان المحيطية)، حيث تم ملاحظتها في جزر الآزور وفي جزيرة آيسلندا، حيث تولدت الجبال تحت البحرية أو الجزر البركانية التي تبرز على سطح المحيطات.

 

ومن المهم جداً الموازنة بين إنتاج القشرة الجديدة التي تؤثر بصفة مستمرة على قاع المحيطات، وبين عملية تخريب القشرة الأرضية، ويتم هذا التخريب بشكل رئيسي على حافة المحيط؛ أي أن الصفيحة الليثوسفيرية (القشرة المحيطية والجزء العلوي من المعطف) تغوص تحت الليثوسفير الذي يحمل القارة المتأخمة (القشرة القارية والمعطف العلوي).

 

إن مناطق غوص الليثوسفير هذه تدعى باسم نطاقات بنيوف (benioff zones)، وتتميز بالنشاط الزلزالي الشديد والتي تتمركز فيها السلاسل البركانية الأكثر أهمية، مثل سلسلة جبال الأنديز على الشاطئ الغاربي لأمريكا الجنوبية وحتى اليابان، حيث توجد سلسلة متوترة من البراكين النشطة حول المحيط الهادي (حلقة نار).

 

تتشكل غالبية هذه البراكين من مهل أنديزيتي، وتحتوي على كمية وافرة نسبياً من الماء وهي المسؤولة عن الطبيعة الانفجارية الشديدة لهذه الاندفاعات البركانية، كما توضح هذه البراكين بأن المهل الأنديزيتي قد نشأ بالانصهار الجزئي لليثوسفير المحيطي على امتداد نطاق بنيوف، حيث إن جزئاً من الحرارة الضرورية للانصهار يتم تزويدها بواسطة قوى الاحتكاك من السطحية الهابطة، وهذا الانصهار يتشكل على عمق 100 كيلو متر داخل المعطف العلوي، إضافة إلى ذلك هناك مناطق بركانية هامة لا تزال علاقتها بحدود السطح غير محددة.

 

ولكنها تمثل مناطق ضعف في القشرة الارضية، وهي الكسور التكتونية الكبيرة مثل الانهدام الأفريقي الكبير الذي يستمر عبر الجزيرة العربية حتى سوريا، ولقد رافقته فيضانات بركانية قارية هائلة كما في براكين جبل العرب والجولان والسلسلة الساحلية، وكذلك الكسر الكبير العابر لأوروبا من مرسيليا إلى أوسلو وانهدام الراين وآيفل.

 

وهذه تحدث في مناطق تجدد القشرة الأرضية معطية مهل أوليفيني قلوي، ويوجد أيضاً في المحيطات سلاسل بركانية مثل: جزر هاواي وهي لا تقع على الأعراف المتوسطة المحيطية ولا تقع في مناطق تلاقي الليثوسفير القاري (نطاق بنيوف) وإنما تقع فوق مناطق من الكرة الأرضية تدعى بالنقاط الحارة.

 

مصادر المهل (الماجما):

 

قبل معظم الجيولوجيين عام 1978 بالفكرة التي طرحها العالم (bowen 1928)، والتي كانت قائمة على أن المصدر الأكثر احتمالاً لتشكل المهل البازلتي هو الانصهار النوعي لجزء من طبقة البيروديتيت، ولكن هؤلاء العلماء يعتقدون بأن هناك ثلاثة أنواع للمواد المصدرية لنشأة المهل في ثلاثة بيئات متمايزة، وفيما يلي ذكر لهذه البيئات:

 

1. أشار باون إلى أن مصدر المهل البازلتي هو الانصهار النعي للبيروديتيت المعطفي.

 

 

2. انغراز القشرة المحيطية وانتقال الصخور البازلتية إلى أعماق تؤدي إلى انصهارها جزئياً معطية بذلك مهلاً متوسط التركيب من المحتوى السيليكاتي.

 

 

3. الانصهار الجزئي للقشرة القارية معطياً مهلاً غرانيتياً وريوليتياً غنياً بالسيليكا.

 

 

توجد عدة تقديرات من أجل تركيب المعطف البيروديتي، وتتضمن أولى التقديرات استعمال المعطيات الكيميائية الكونية ووضع نموذج جيوكيميائي وفيزيائي لأصل المنظومة الشمسية والأرض، أما التقدير الثاني فيتضمن دراسة الصخور فوق المافية المشتقة من المعطف العلوي وخاصة الحشوات التي توجد في الكمبرليت وبعض البازلت القلوي.