الآدابالفلسفة

فلسفة ميل في الديمقراطية الليبرالية والصالح العام

اقرأ في هذا المقال
  • دور الحكومة في تنظيم حياة الأفراد
  • فلسفة ميل في سمات العالم الحديث
  • فلسفة ميل في المساواة العادلة بين الأفراد
  • فلسفة ميل في تكافؤ الفرص في التعليم بين الأفراد
  • فلسفة ميل في العمل وتنظيم ظروفه
  • ليبرالية ميل

ماذا عن جوهر الحكم الديمقراطي؟ على الرغم من أنّ جون ستيوارت ميل مدافع عن الحكومة المحدودة بطرق قد يتوقعها المرء، حيث بالنظر إلى دفاعه عن الحريات الأساسية في حول الحرية (On Liberty)، إلّا أنّه ليس ليبراليًا، حيث إنّه يرفض بشدة فكرة أنّ الحكومة الشرعية مقصورة على وظائف توفير الحماية ضد القوة والاحتيال، وبدلاً من ذلك يعتقد أنّ هناك مجموعة متنوعة من الطرق التي يمكن للحكومة ويجب عليها أن تتدخل في حياة المواطنين أحيانًا كقسوة وأحيانًا أخرى كعامل تمكين أو ميسّر من أجل تعزيز الصالح العام.

دور الحكومة في تنظيم حياة الأفراد:

تشير ادعاءات ميل عن السعادة إلى أنّ خير كل فرد يكمن في ممارسة قدراتها العليا، ويتطلب هذا حياة نشطة يتم فيها تنظيم أنشطة الفرد من خلال مداولات وخيارات الفرد، وكما هو ملاحظ في مناقشات ميل النقدية حول الأبوة فإنّ هذا يضع قيودًا على كيفية تعزيز الآخرين لمصلحتهم، ولا يمكن للفرد الترويج لمصلحته بهذه الطريقة المفهومة، ولكن بطرق تتجاوز وكالة الفرد أكثر مما يمكنه الفوز بسباق من أجله.


ولكن مثلما يمكنه القيام بأشياء تساعده على الفوز بالسباق بنفسه (التدريب معه ومشاركة النصائح الغذائية ومساعدته في التخطيط الاستراتيجي) لذلك يمكنه أيضًا القيام بأشياء تساعده على عيش حياة مستقلة. كما يمكنه توفير أنواع مختلفة من الشروط اللازمة لعيش مثل هذه الحياة، وإذا كان خير الفرد يتألف من هذا النوع من تحقيق الذات، فيجب على الحكومة التي تهدف إلى الصالح العام أن تهتم بشكل كبير بالتوفير العادل لفرص الرفاهية.

فلسفة ميل في سمات العالم الحديث:

في وقت مبكر من كتاب ميل (إخضاع النساء) تتناقض أنظمة الطبقة الوراثية، مثل الإقطاع والأنظمة الاجتماعية القائمة على العبودية، مع الالتزام الحديث والتقدمي المتميز بتكافؤ الفرص في الرفاهية.

“ما هي السمة المميزة للعالم الحديث، حيث الاختلاف الذي يميز بشكل رئيسي المؤسسات الحديثة والأفكار الاجتماعية الحديثة، والحياة الحديثة نفسها، عن تلك التي كانت في الماضي البعيد؟ هو أنّ البشر لم يعودوا يولدون في مكانهم في الحياة، ومقيدين برباط لا يرحم بالمكان الذي ولدوا فيه، ولكنهم أحرار في توظيف قدراتهم والفرص المواتية مثل العرض، ولتحقيق الكثير الذي قد يبدو لهم أكثر من المرغوب فيه”.

الفيلسوف ميل.

كما هو الحال مع الحريات الأساسية فإنّ فرص الرفاهية لها قيمة ليس في حد ذاتها، ولكن باعتبارها شروطًا ضرورية لنوع من الإدراك الذاتي الذي يخصص له ميل قيمة جوهرية بارزة، ولكنهم ليسوا أقل أهمية لهذا السبب، وفي الواقع يمكن إرجاع العديد من وظائف الحكومة التي يعترف بها إلى توفير فرص لتحقيق الذات.

فلسفة ميل في المساواة العادلة بين الأفراد:

على الرغم من أنّ ميل يعارض عمومًا الأبوة والرقابة وتنظيم الجريمة والأخلاق، إلّا أنّه يدرك الوظائف المختلفة التي يجب أن تؤديها الحكومة في السعي وراء الصالح العام، ويرجع ذلك جزئيًا إلى أنّ الفرص المتاحة لكل منها تعتمد جزئيًا على موقف وموارد الآخرين، ويعتقد ميل أنّ توفير المساواة العادلة في الفرص يقيد التفاوتات الاجتماعية والاقتصادية المسموح بها .

“إنّ التشريع العادل والحكيم سيمتنع عن التمسك بدوافع التبديد بدلاً من توفير مكاسب الجهد الصادق، وتتمثل حيادها بين المنافسين في السعي إلى أنّ يبدأوا جميعًا بشكل عادل، وفي الواقع يفشل الكثيرون في بذل جهود أكبر من تلك التي ينجح بها الآخرون ليس بسبب اختلاف المزايا ولكن بسبب اختلاف الفرص، ولكن إذا تم القيام بكل ما في وسع الحكومة الرشيدة القيام به من خلال التعليمات والتشريعات لتقليل عدم المساواة في الفرص فإنّ الفروق في الثروة الناشئة عن أرباح الناس الخاصة لا يمكن أن تثير الاستياء”.


كما أوضح ميل في هذا المقطع فإنّ اهتمامه لا يتعلق بعدم المساواة في حد ذاته، على الرغم من أنّه يتصور مجتمعًا يتم فيه تقليل التفاوتات ويكون فيه مستوى معيشي أدنى لائق متاحًا للجميع، فإنّه يدافع عن أرباح الرأسماليين على أنّها تعويض عادل لمدخراتهم ومخاطرهم والإشراف الاقتصادي، وبدلاً من ذلك ينصب اهتمام ميل في هذا المقطع على التفاوتات المشتقة من عدم المساواة في الفرص وتلك اللامساواة التي تديم عدم المساواة في الفرص.

ولتحقيق تكافؤ الفرص يؤيد ميل إجراءات ضريبية مختلفة لإعادة التوزيع، وهو يدافع عن معدل ضريبة ثابت على الدخل المكتسب الذي يتجاوز الحد الضروري لتأمين حد أدنى لائق للمعيشة تاركًا الدخل المكتسب أقل من هذا الحد دون ضرائب، وبالإضافة إلى ذلك يؤيد استخدام معدلات ضريبية أعلى على الدخل غير المكتسب والميراث، وهذه الضرائب تحد من عدم المساواة بين الأجيال التي من شأنها أن تقيد تكافؤ الفرص.

فلسفة ميل في تكافؤ الفرص في التعليم بين الأفراد:

ضمن هذا الإطار الذي تم إنشاؤه لتكافؤ الفرص يدافع ميل عن وظائف حكومية إضافية مصممة لتعزيز الصالح العام، وإنّ الشرط الأساسي للكفاءة المعيارية هو التعليم اللائق، ويعتقد ميل أنّه من الأدوار المركزية للدولة أن تتطلب، وإذا لزم الأمر توفير تعليم جيد، ويعتقد ميل أنّ الدولة يمكنها ويجب عليها أن تطلب من الآباء توفير التعليم لأطفالهم، وضمان إتاحة هذا النوع من التعليم للجميع بغض النظر عن الظروف المالية من خلال دعم تكاليف التعليم للفقراء بحيث يكون متاحًا مجانًا أو تكلفة رمزية.

كما أنّ ميل يعتقد أنّ الصدقة تولد التبعية بدلاً من الاستقلال الذاتي، وهذا هو أحد الأسباب التي دفعته إلى الدفاع عن تبني القوانين الفقيرة التي توفر من بين أمور أخرى، والعمل من أجل المعوزين القادرين جسديًا، ويعتقد ميل أيضًا أنّ الحكومة يجب أن تتدخل حيث من غير المرجح أن توفر قوى السوق ما يحتاجه الناس أو يريدونه، وبهذه الطريقة يعتقد أنّه من الوظائف المهمة للدولة سواء كانت مركزية أو محلية وإنشاء وصيانة جوانب مختلفة من البنية التحتية المجتمعية بما في ذلك أشياء مثل الدفاع المشترك والطرق والصرف الصحي والشرطة والمرافق الإصلاحية.

فلسفة ميل في العمل وتنظيم ظروفه:

كما يعتقد أنّ تنظيم ظروف العمل (الساعات والأجور والمزايا) مسموح به لأنّ توفير ظروف عمل محسنة يكون له عادة هيكل سلعة عامة أو جماعية للعمال وكل منهم سيكسب ميزة تنافسية من خلال التنازل عن أكثر بقليل من رأس المال من أقرانه، وإذا تُركت دون تنظيم فسيكون لدى كل شخص حافز للتنازل عن رأس المال أكثر من منافسيه مما يؤدي إلى جعل جميع العمال أسوأ حالًا، ويعتقد ميل أيضًا أنّ تدخل الدولة وتنظيمها هو أفضل حل لمشكلة العمل الجماعي هذه، وهو يعتقد أيضًا أنّ هناك سلعًا أخرى سيؤدي توفير السوق لها إلى نقص الإنتاج وربما بسبب العوامل الخارجية الإيجابية، ولهذا السبب يعتقد أنّ الدولة يجب أن تدعم البحث العلمي والفنون.

ليبرالية ميل:

تلتزم ليبرالية ميل بالمؤسسات السياسية الديمقراطية التي ينتشر فيها الامتياز وحقوق الملكية الخاصة واقتصاديات السوق والفرص الاجتماعية والاقتصادية المتساوية ومجموعة متنوعة من الحريات الشخصية والمدنية، ولتقدير أهمية علامته التجارية لليبرالية من المفيد التركيز على جوهر مفهومه للأساسيات الليبرالية – حزمة الحريات الفردية ومسؤوليات الدولة التي يؤيدها – والطريقة التي يبرر بها مفهومه للأساسيات الليبرالية.

فالليبرالية الميليّة ليست ليبرالية قائمة على مبدأ عدم التدخل وهي تبرر الأساسيات الليبرالية كطريقة لتعزيز الصالح العام، وربما يُنظر إلى تميز هذا النوع من الليبرالية بشكل أفضل على النقيض من مفهومين آخرين لليبرالية، فمفهوم أكثر تحررية للأساسيات الليبرالية وتبريرها الذي سيطر على الحزب الليبرالي البريطاني في منتصف القرن ونوع الليبرالية السياسية المعاصرة التي تبرر الليبرالية، والأساسيات كما هو مطلوب إذا أرادت الدولة أن تكون محايدة بين المفاهيم المتنافسة للحياة الجيدة التي قد يحملها مواطنوها.

كان جزء كبير من أجندة الحزب الليبرالي خلال معظم القرن التاسع عشر يتألف من إصلاحات سعت إلى إلغاء القيود التي فرضتها الدولة على حريات وفرص المواطنين، خاصة عندما تميل أشكال تدخل الدولة هذه إلى تعزيز الامتيازات الطبقية، وتجسدت هذه الثقافة السياسية في إلغاء قوانين الذرة ومعارضة الاضطهاد الديني والعديد من الإصلاحات الانتخابية، ولكن في الجزء الأخير من القرن التاسع عشر ظهرت وجهة نظر جديدة حول دور مثل هذه الإصلاحات في الأجندة الليبرالية.

اعتقد الليبراليون الأوائل مثل هربرت سبنسر أنّ الإصلاح يجب أن يقتصر على إزالة تدخل الدولة في الحرية الفردية، وعلى النقيض من ذلك اعتقد الليبراليون الجدد أنّ هذه الإصلاحات التي وسعت الحريات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية، يجب أن تُستكمل بإصلاحات اجتماعية واقتصادية في مجالات العمل والتعليم والصحة المصممة لمعالجة آثار عدم المساواة، حيث أعطت هذه الإصلاحات الجديدة للدولة مسؤوليات إيجابية وليست سلبية فقط، وتتطلب أحيانًا التدخل في الحريات الفردية.

نظرًا لأنّ ميل يعتقد أنّ للدولة دورًا مهمًا تلعبه في تأمين تكافؤ الفرص، وضمان تعليم جيد من شأنه تعزيز الكفاءة المعيارية، ومعالجة إخفاقات السوق المختلفة وتوفير المنافع العامة المختلفة، فمن المنطقي أن ننظر إلى ميل على أنّه وضع الكثير من المثقفين، والأساس لليبرالية الجديدة سواء في مفهومها للأساسيات الليبرالية أو في مفهومها للتبرير الصحيح للأساسيات الليبرالية من خلال مناشدة مصلحة تبعية واسعة في تعزيز تحقيق الذات.


ويقدم تبرير ميل الذي يسعى إلى الكمال للأساسيات الليبرالية أيضًا تناقضًا مع الخيط المؤثر في الدفاعات الفلسفية الأنجلو أمريكية الحديثة لليبرالية التي تصر على الحياد بين المفاهيم المتنافسة للحياة الجيدة، و وفقًا للعديد من الليبراليين المعاصرين فإنّ الحياد حول الخير هو التزام تأسيسي لليبرالية، والحياد الليبرالي يضع قيودًا على تبرير تصرف الدولة.


ومن وجهة النظر هذه يمكن للحكومات الليبرالية ويجب عليها إنفاذ الحقوق الفردية وأي مطالب أخرى للعدالة الاجتماعية بما في ذلك تلك الضرورية للحفاظ على السلام والنظام، ولكن لا يجب عليهم القيام بأي عمل كوسيلة لتعزيز مفهوم معين للحياة الجيدة أو عقيدة فلسفية شاملة، وفيما يتعلق بالصالح  يجب أن تكون الدولة الليبرالية محايدة تمامًا، بحيث لا يمكنها أن تروج لمصلحة مواطنيها إلّا بطرق تتفق مع كل مفهوم معقول للخير.


على النقيض من ذلك فإنّ ميل هو ليبرالي يسعى إلى الكمال ويتجنب الحياد بشأن الصالح، ووفقًا للكمال الميلي لا يتم تعريف الحياة الجيدة بمصطلحات طائفية على أنّها تتكون في مجموعة معينة من الأنشطة، وبدلاً من ذلك تُفهم الحياة الجيدة من حيث ممارسة القدرات للتداول العملي التي يمكن تحقيقها بطرق متنوعة للغاية وإن كانت محدودة، بحيث تعتبر الحريات الأساسية مهمة لأنّها شروط ضرورية لهذا النوع من التوجيه الذاتي الانعكاسي وتحقيق الذات، وفي هذه النسخة من الليبرالية تعترف الدولة بمختلف الحريات المدنية وتقاوم الأبوية والأخلاقية المنتظمة ليس لأنّها لن تتخذ موقفًا بشأن مسائل الصالح، ولكن على وجه التحديد لأنّها تعترف بالاستقلال الذاتي وتقرير المصير على أنّهما سلع ذات ترتيب أعلى.

المصدر
On Liberty.ByJohn Stuart Mill, With an Introduction by, W. L. Courtney, LL.D., The Walter Scott Publishing Co., Ltd., London and Felling-on-Tyne, New York and Melbourne.The Subjection of WomenOn Liberty, John Stuart Mill, 1859, Batoche Books Kitchener 2001Utilitarianism, John Stuart Mill 1863, Batoche, Books Kitchener 2001.J.S. MILLAn Incongruent Amalgamation: John Stuart Mill's Utilitarianism on NaturalismMill’s Moral and Political Philosophy

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

الآدابالفلسفة

فلسفة ميل في الديمقراطية الليبرالية والتمثيلية

اقرأ في هذا المقال
  • الديمقراطية الليبرالية وفلسفة ميل
  • معيار الديمقراطية التمثيلية في فلسفة ميل
  • الديمقراطية الممثلة وفلسفة ميل

“في ديمقراطية متساوية حقًا حيث سيتم تمثيل كل قسم أو أي قسم ليس بشكل غير متناسب ولكن بشكل متناسب، وما لم يكونوا كذلك لا توجد حكومة متساوية بل حكومة عدم مساواة وامتياز، حيث جزء واحد من الشعب يحكم على البقية، وهناك جزء يحجب عنهم نصيبه العادل والمتساوي من التأثير في التمثيل ويتعارض مع كل حكومة عادلة، ولكن قبل كل شيء يتعارض مع مبدأ الديمقراطية الذي يعتبر المساواة أصلها وأساسها”.

الفيلسوف ميل.

الديمقراطية الليبرالية وفلسفة ميل:

نحن نحصل على منظور مختلف إلى حد ما حول مبادئ جون ستيوارت ميل النفعية والليبرالية من خلال رؤية كيفية تطبيقه لها على القضايا الاجتماعية والسياسية، فقد دافع ميل عن الشكل الديمقراطي من الليبرالية في اعتبارات الحكومة التمثيلية ومبادئ الاقتصاد السياسي.

في اعتبارات حول ممثل الحكومة يجادل ميل بأنّ شكل من أشكال الديمقراطية التمثيلية هو أفضل شكل مثالي للحكومة، وإنّه ليس مثالًا ثابتًا يتم الاحتفاظ به بغض النظر عن الظروف التاريخية أو الاجتماعية، ولكنه يعتقد أنّ هذا هو أفضل شكل من أشكال الحكم للمجتمعات ذات الموارد الكافية والأمن وثقافة الاعتماد على الذات.

معيار الديمقراطية التمثيلية في فلسفة ميل:

على وجه الخصوص يعتقد ميل أنّ الديمقراطية التمثيلية هي الأفضل وعندما تكون الأفضل يعتمد ذلك لأنّها تفي بمعيارين لكل حكومة جيدة:

  1. أنّ الحكومة جيدة بقدر ما تعزز الصالح العام حيث يُنظر إلى هذا على أنّه تعزيز السمات الأخلاقية والفكرية والفاعلة لمواطنيها.

  2. أنّ الحكومة جيدة بقدر ما تستخدم بشكل فعال مؤسسات وموارد مواطنيها لتعزيز الصالح العام.

حيث بقدر ما تكون (2) هو حقًا مكون من (1) فإنّ معيار ميل النهائي هو أنّ الحكومة الجيدة يجب أن تعزز الصالح العام لمواطنيها، ولا يستدعي ميل بشكل صريح نسخته من النفعية، وربما يريد أن يرتكز دفاعه عن الديمقراطية التمثيلية على فرضيات مسكونية أكثر، ولكنه يفهم بوضوح هذا المعيار السياسي للصالح العام بمصطلحات عواقبية أو موجهة نحو النتائج.

وعلاوة على ذلك على الرغم من أنّه قد لا يذكر عقيدة الملذات العليا صراحةً فمن الواضح أيضًا أنّ ميل يفهم خير كلٍّ منهما بمصطلحات كمال واسعة تؤكد على أهمية شكل نشط ومستقل للحياة يمارس القدرات الفكرية والتداولية والإبداعية.

الديمقراطية الممثلة وفلسفة ميل:

يعتقد ميل أنّ هناك طريقتين تكون فيهما الديمقراطية في ظل الظروف المناسبة هي الأنسب لتعزيز الصالح العام:

  • أولاً: يعتقد أنّ الديمقراطية تلعب دورًا معرفيًا مهمًا في تحديد الصالح العام، وتتطلب المداولات الصحيحة حول القضايا التي تؤثر على الصالح العام تحديد كيفية تأثير السياسات المختلفة على مصالح الأطراف المتضررة، وبالتالي يتطلب التمثيل والتعبير الصحيحين لمصالح المواطنين، ولكن فشل الخيال وعمل التحيز الشخصي يشكلان عقبات أمام التمثيل الفعال لمصالح الآخرين، ويوفر الاقتراع العام والمشاركة السياسية أفضل ضمان بأنّ مصالح المحكومين سيتم تقديرها بشكل صحيح من قبل صناع القرار السياسي.

  • ثانيًا: يعتقد ميل أنّ الديمقراطية هي أيضًا أفضل شكل للحكومة بسبب التأثيرات التأسيسية للمشاركة السياسية على تحسين القدرات الأخلاقية للمواطنين، وإلى الحد الذي يستطيع فيه المحكومون المشاركة في النقاش العام والانتخابات وهم يمارسون تلك الصلاحيات التشاورية التي تهدف الحكومة إلى تطويرها، ويتعلمون جمع المعلومات حول خياراتهم والتداول بشأن مزاياهم واختيار ممثل يعبر عن مُثلهم وتفضيلاتهم، ولكنهم يتداولون ويختارون مع الآخرين حول أجندة عامة وبذلك يزرعون القدرات لتشكيل مفهوم للصالح العام واتخاذ مواقف مبدئية وتبادل الأسباب مع الآخرين والتعلم من الآخرين.

حتى الآن قد تبدو هذه الحجج من أجل الديمقراطية المباشرة الواسعة الانتشار، في الواقع العالمية المباشرة، وفي الواقع على عكس العديد من معاصريه المهتمين بتوسيع الامتياز يدافع ميل عن تمديد الامتياز إلى النساء أيضًا، رافضًا أي قيود على امتيازهن باعتباره لا أساس له من الصحة، ولكن ميل يصف هذا الدفاع عن الديمقراطية المباشرة بعدة طرق مهمة.

ومن المفترض أنّ الديمقراطية تنطوي على حكم بإرادة الشعب، وقد نقول إنّ النظام السياسي ديمقراطي بقدر ما يعكس محتوى قراراته السياسية إرادة الشعب، كما أنّ الديمقراطية المباشرة حيث يصوت كل مواطن على التشريع هي إحدى الطرق للقرارات السياسية التي تعكس إرادة الشعب، ولكن الديمقراطية المباشرة غير عملية في أي شيء سوى مجتمع صغير، ويدافع ميل عن الديمقراطية التمثيلية وليس المباشرة.

يعتقد ميل أنّ الممثلين مكلفون بمهمة التصويت وذلك بعد مناقشة حرة ومفتوحة، ووجهات نظرهم الخاصة المدروسة حول ما يمكن أن يعزز الصالح العام، وهنا يعبر ميل عن شكوكه حول نموذج مجموعة المصالح للديمقراطية والذي بموجبه يكون الممثلون مدافعين عن المصالح الطائفية لناخبيهم، ويُنظر إلى الديمقراطية على أنّها تجميع محايد ومجموعة من التنازلات بين المصالح الطائفية، وبدلاً من ذلك ينظر ميل إلى الممثلين على أنّهم مؤتمنون في صندوق الثقة العامة حيث يهدف كل ممثل إلى مصلحة مشتركة حقيقية، وتتشكل المداولات الفردية والجماعية من خلال مجموعة متنوعة من الخبرات ووجهات النظر.

والعديد من الاحتياجات ذات طابع محلي وحتى عندما تكون الاحتياجات عامة قد يعتمد إشباعها بشكل كبير على الظروف المحلية، ولهذا السبب يدعو ميل إلى نظام فيدرالي يكون فيه للهيئة التمثيلية المركزية وظائف محدودة وتحكم الهيئات التمثيلية المحلية أو البلدية في الأمور المتعلقة بالشؤون المحلية أو التفاصيل المحلية مثل إنشاء وصيانة البنية التحتية المحلية بما في ذلك الطرق والمحاكم والسجون والمدارس.

ومع ذلك فإنّ إحدى الوظائف المهمة للحكومة المركزية كما يعتقد ميل هي الحاجة إلى حماية الأقليات السياسية المحلية من التعرض للحرمان المنهجي من قبل الأغلبية السياسية المحلية، وهنا يُظهر قلقه بشأن الحقوق الفردية ضد استبداد الأغلبية، والذي كان محور تركيز على الحرية، حيث يقترح أنّ الضمانات الدستورية يمكن الحفاظ عليها بشكل أفضل من قبل السلطات المركزية وليس المحلية، ولسوء الحظ لا يكرس الكثير من الاهتمام لتحديد الحقوق الفردية التي يجب الاعتراف بها دستوريًا.

ويصر ميل أيضًا على أنّ الديمقراطية التمثيلية سواء كانت محلية أو فدرالية يجب أن تستخدم التمثيل النسبي وليس الفائز يأخذ كل شيء، حيث أفكار حول الإصلاح البرلماني يمكننا أن نرى كيف يتناسب التمثيل النسبي مع الحجة المعرفية للديمقراطية، وقد يؤدي التمثيل الفائز بأخذ كل شيء إلى القضاء على التعبير الفعال عن وجهات نظر الأقليات أو الحد منه وهو أمر ضروري للغاية لإجراء تحقيق حر ومستنير حول الصالح العام واحترام مصالح الأقليات السياسية.

المصدر
On Liberty.ByJohn Stuart Mill, With an Introduction by, W. L. Courtney, LL.D., The Walter Scott Publishing Co., Ltd., London and Felling-on-Tyne, New York and Melbourne.The Subjection of Women On Liberty, John Stuart Mill, 1859, Batoche Books Kitchener 2001 Utilitarianism, John Stuart Mill 1863, Batoche, Books Kitchener 2001.J.S. MILLAn Incongruent Amalgamation: John Stuart Mill's Utilitarianism on NaturalismMill’s Moral and Political Philosophy

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى