مفهوم الضبط في علم النفس الاجتماعي:

 

ركز مفهوم الضبط في علم النفس الاجتماعي على الدرجة التي يشعر بها الناس أنهم قادرون على التحكم أي تحقيق النتائج التي يتلقونها، وركز على ما إذا كان السلوك الإنساني منظمًا بشكل مستقل أو خاضع لسيطرة الآخرين، وقد ركز على مقدار تنظيم السلوك الإنساني تلقائيًا من خلال الوعي الأكثر تداولًا.

 

من بين أوائل المؤلفين الذين استخدموا مصطلح التحكم كبناء مركزي كان جوليان روتر في الخمسينيات من القرن الماضي، حيث أكدت نظرية التعلم الاجتماعي لروتر أن السلوك هو وظيفة لتوقعات المرء حول التعزيز المستقبلي، وعلى وجه التحديد، فرق روتر بين نوعين من التوقعات، والتي أشار إليها باسم مواقع الضبط، ومنها قسم الضبط لنوعين وهما:

 

1- الضبط الداخلي:

 

عندما يتوقع الناس أن يتمكنوا من الضبط في الحصول على النتائج المرجوة أي أن سلوكهم سيؤدي إلى النتائج، يقال إن لديهم موضع ضبط داخلي، من المتوقع أن يكون الأشخاص الذين لديهم موضع ضبط داخلي أكثر تحفيزًا للتصرف في محاولة لتحقيق التعزيزات المطلوبة.

 

2- الضبط الخارجي:

 

على النقيض من ذلك عندما يتوقع الناس أنهم لا يستطيعون الضبط في تحقيق النتائج المرجوة أي أن النتائج يتحكم فيها القدر أو الصدفة، يقال أن لديهم مركز ضبط خارجي، بعبارة أخرى تتحكم في النتائج قوى خارجية بالنسبة لهم، ويُفترض أن الأشخاص الذين لديهم موضع ضبط خارجي ليس لديهم الدافع للتصرف؛ لأنهم يعتقدون أن أفعالهم لن تؤدي إلى النتائج التي يرغبون فيها.

 

بعد ذلك في السبعينيات استخدم مارتن سيليجمان مفهوم الضبط على النتائج باعتباره حجر الزاوية في نظريته حول العجز والاكتئاب، حيث تكهن سيليجمان أنه عندما يعاني الناس من عدم القدرة على الضبط في النتائج في بيئاتهم، فإنهم يميلون إلى تطوير حالة مزمنة، ومنها يشار إليها بالعجز المكتسب، والتي اقترح أنها مرتبطة ارتباطًا وثيقًا بالاكتئاب، وبالتالي فإن وجود موضع ضبط خارجي يحمل تشابهًا مع كون الشخص عاجزًا.

 

يعد مفهوم الضبط في النتائج أيضًا أساسيًا لنظرية الكفاءة الذاتية كما حددها ألبرت باندورا، حيث أكد باندورا أن التحفيز يتطلب من الناس توقع أنه يمكنهم الحصول على النتائج المرجوة، لكنه قال إن هناك عنصرين رئيسيين لتوقعات الضبط تتمثل من خلال ما يلي:

 

1- الاعتقاد بأن هناك حالة طارئة أو صلة بين سلوك معين والنتيجة المرجوة.

 

2- الاعتقاد بأن المرء مؤهل للقيام بهذا السلوك المطلوب.

 

استخدامات مفهوم الضبط في علم النفس الاجتماعي:

 

تركز نظرية باندورا بشكل أكبر على التوقعات حول الفعالية أو الكفاءة أكثر من التركيز على الحالات الطارئة، على افتراض أن الحالات الطارئة موجودة عادة، وفي الآونة الأخيرة، تم اعتماد مصطلح الضبط المدرك باعتباره الطريقة الأكثر شيوعًا للحديث عن وجود مركز داخلي للضبط أو توقع السيطرة على النتائج.

 

أظهرت الدراسات الآن أن الضبط يميل إلى أن يكون متكيفًا ومرتبطًا بعدد من النتائج الإيجابية، بما في ذلك تحسين الأداء والرفاهية، على سبيل المثال يميل أولئك الذين يتمتعون بمستوى أعلى من الضبط إلى الأداء والتعلم بشكل أكثر فعالية، حيث أنهم يختبرون المساحات المزدحمة أقل كرهًا.

 

جادل علماء النفس الاجتماعي بأن البشر لديهم رغبة قوية في إدراك أنهم يتحكمون في النتائج ويضبطونها، حيث ساعدت إحدى خطوط البحث التي أجرتها إلين لانجر وزملاؤها في توضيح هذه النقطة من خلال إظهار أن هذه الرغبة قوية جدًا لدرجة أن الناس يميلون إلى إدراك أن لديهم ضبط أكبر مما لديهم بالفعل.

 

العمليات التلقائية مقابل العمليات الخاضعة للضبط:

 

في الأدبيات التي تم تطويرها بشكل مستقل تمامًا عن البحث النفسي، رسم علماء النفس الاجتماعي ذوو التوجه المعرفي تمييزًا مهمًا بين ما يسمونه العمليات العقلية التلقائية والضبط، حيث تتمثل من خلال ما يلي:

 

1- العمليات التلقائية:

 

تتميز العمليات التلقائية بأنها تعمل بدون وعي أو جهد أو نية، أو اهتمام أو تفكير، يمكن أن تحدث مثل هذه السلوكيات بدون بسبب العمليات التي تعمل خارج نطاق تجربتنا الواعية، بمعنى آخر الشخص لا يتحكم حقًا في سلوكياته، وبعض العمليات غير الواعية يتحكم فيه.

 

2- العمليات الخاضعة للضبط:

 

تتميز العمليات الخاضعة للضبط بمجموعة معاكسة من الميزات، حيث أنها تتطلب المزيد من الجهد والوعي الواعي، بحيث يقوم الشخص باتخاذ قرار بالقيام بالسلوكيات المعينة، لذا فهو أكثر سيطرة على نفسه وضبط سلوكياته؛ نظرًا لأن مثل هذه السلوكيات تستهلك اهتمامًا محدودًا من الناس، فإنها تميل إلى التدخل في القيام بسلوكيات أخرى يتم الضبط فيها، بمعنى آخر إذا كان منخرطًا في نشاط واحد يتطلب عمليات عقلية خاضعة للرقابة، فمن المحتمل أن يتأثر أداءه في مهمة ثانية متزامنة تتطلب معالجة محكومة.

 

واحدة من أكثر سمات البحث إثارة للاهتمام في مجال الضبط هي أنه بشكل عام لا يبدو أن أحد أنواع المعالجة العقلية أي تلقائية أو مضبوطة، أكثر تكيفًا من الآخر، تحت الظروف المختلفة لكل منها مزاياه وعيوبه، على سبيل المثال بشكل عام عندما يتعلق الأمر بمواقف جديدة تتطلب مراعاة مجموعة متنوعة من العوامل، يبدو أن نظام المعالجة الخاضعة للضبط أكثر مرونة وفعالية بشكل ملحوظ.

 

عادة ما ينتج عن التفكير الدقيق والمتعمد لمسارات العمل المختلفة السلوكيات الأكثر فاعلية، في كثير من الأحيان، ومع ذلك قد يكون التصرف بسرعة أكبر أو باهتمام أقل مفيدًا، وفي مثل هذه الحالات، يميل نظام المعالجة التلقائية إلى أن يكون الأفضل، علاوة على ذلك يتطلب نظام المعالجة الأوتوماتيكي طاقة أقل، لذلك قد تكون هناك ظروف يؤدي فيها التحول إلى النظام التلقائي من خلال التعود أو الممارسة إلى تحرير الطاقة النفسية لمعالجة مشاكل أكثر تعقيدًا.

 

نقد مفهوم الضبط في علم النفس الاجتماعي:

 

جادل العديد من علماء النفس الاجتماعي بأن معظم الحياة اليومية أكثر بكثير مما نتخيله بشكل حدسي، تمليه نظام المعالجة والضبط التلقائي، حيث يقترحون ليس فقط أن سعة الضبط للنظام المتحكم فيه محدودة ولكن أيضًا أن التردد الذي يمكن استخدامه في الحياة اليومية محدود للغاية.

 

إحدى الظواهر المثيرة للاهتمام التي ظهرت من هذه الأدبيات النقدية هي أنه، في كثير من الأحيان تحاول ممارسة سيطرة واعية ومتعمدة على الأنشطة التي عادة ما تكون نتائج تلقائية ليس فقط في انخفاض الكفاءة ولكن أيضًا في انخفاض جودة الأداء.

 

أخيرًا من المهم ملاحظة أن معظم علماء النفس لا يرون الفرق بين العمليات الخاضعة للضبط أي الواعية والتلقائية أي اللاوعي كالأبيض والأسود، على الرغم من أنه كان يعتقد في الأصل أن هاتين الفئتين منفصلتان نسبيًا، يعتقد الباحثين الآن أن الفئتين غالبًا ما تكون غير واضحة.