لماذا ننجذب لبعض الناس؟ كيف يعرف الناس أنهم في علاقات جيدة؟ لماذا الناس يقعون في حب أشخاص دون غيرهم؟ هل الاتصال الجيد ينتج حقا علاقات ناجحة؟ هذه فقط بعض الأسئلة المثيرة للاهتمام التي يحاول علماء النفس الاجتماعي الإجابة عليها، ففي الواقع أصبحت دراسة العلاقات الوثيقة أحد أهم المجالات في علم النفس الاجتماعي على مدى العقود العديدة الماضية.

 

مفهوم العلاقات الوثيقة في علم النفس

 

يصف أحد المفاهيم الرئيسية الذي طوره هارولد كيلي وجون تيبوت في الستينيات والسبعينيات عن مفهوم العلاقات الوثيقة في علم النفس من حيث الاعتماد المتبادل، حيث تختلف العلاقات الوثيقة عن وجود معارف من خلال الطريقة العميقة التي تتفاعل بها عمليات الرفاه والنفسية لفرد ما مع نفس العمليات في شخص آخر وترتبط بها، علاوة على ذلك تتميز العلاقات الوثيقة بمستويات عالية نسبيًا من الثقة والحب والمعرفة والالتزام والألفة.

 

يركز النهج النفسي الاجتماعي لمفهوم العلاقات الوثيقة في علم النفس على التفاعل بين فردين، مع إيلاء اهتمام وثيق لكل من السلوك الإنساني وما يدور في أذهان الناس من العواطف والإدراك، في علم النفس الاجتماعي حتى أواخر السبعينيات تركز البحث في مفهوم العلاقات الوثيقة في علم النفس على الجاذبية الشخصية، وبالتحديد ما هي العوامل التي تدفع الناس إلى الانجذاب إلى بعضهم البعض في المراحل الأولى من تطور العلاقة؟

 

يميل هذا البحث إلى أن يكون نظريًا وتقرأ النتائج كقائمة تسوق من المتغيرات التي تؤثر على الجذب بما في ذلك التشابه، والقرب وما إلى ذلك، في ثمانينيات القرن الماضي تحول روح العصر النفسي نحو دراسة التعقيد الأكبر بكثير المتأصل في مراحل تطوير العلاقات الثنائية وصيانتها وحلها، كان هذا التحول مدفوعًا بالعديد من التطورات الرئيسية في السبعينيات، فبدأ جون جوتمان وآخرين في المجال الإكلينيكي البحث الذي لاحظ ولأول مرة التبادلات الثنائية بين الأزواج في محاولة للتنبؤ بمن سيطلق.

 

ثم أصبح زيك روبين وآخرين مهتمين بالحب وابتكروا مقاييس موثوقة يمكنها قياس المفهوم، ومنها قاد هارولد كيلي فريقًا من علماء النفس الاجتماعي في إنتاج كتاب أساسي نُشر عام 1983 في العلاقات الوثيقة، والذي قدم أول علاج كامل للعلاقات الوثيقة من منظور نفسي تفاعلي واجتماعي.

 

تميز البحث النفسي الاجتماعي في علم النفس على مدى العقدين الماضيين بثلاثة تطورات رئيسية لمفهوم العلاقات الوثيقة، حيث كان هناك انفجار في العمل المعني بفهم الدور الذي يلعبه الإدراك الاجتماعي أي من خلال المعتقدات والعمليات المعرفية وما إلى ذلك والعواطف في العلاقات المقربة، واستعار هذا العمل نظريات ومنهجيات من علم النفس الاجتماعي والمعرفي.

 

بعدها كان هناك اهتمام متزايد بكيفية مساهمة عمليات الارتباط والترابط في العلاقات الوثيقة بين البالغين، حيث استحوذت أبحاث التعلق على البالغين على النظريات الأساسية من العمل الذي قام به جون بولبي وماري أينسوورث في الستينيات والسبعينيات فيما يتعلق بروابط التعلق بمقدمي الرعاية للرضع.

 

ودراسة الجاذبية الشخصية في سياق العلاقات الوثيقة الذي يسمى باختيار الشريك أصبح مرة أخرى موضوعًا ساخنًا، ولكن تحت راية علم النفس التطوري الجديد، يعتمد هذا النهج على العمل التطوري لداروين ولكن تم شحذها في المظهر النفسي الاجتماعي الحديث من قبل شخصيات مثل ديفيد بوس وجيفري سيمبسون.

 

وهكذا كما يمكن أن نرى استعار علماء النفس الاجتماعي بحرية من المجالات الأخرى في دراسة العلاقات الوثيقة، ومع ذلك فإن هذه العملية هي طريق ذو اتجاهين، مع إعادة البحث النفسي الاجتماعي والتنظير إلى هذه المجالات وإثرائها، قدم علماء النفس الاجتماعي مساهمات مهمة في أربعة مجالات رئيسية كيف يختار الناس زملائهم، الحب والالتزام، التواصل والتفاعل بين العلاقات، والاختلافات بين الجنسين في سياق العلاقات الوثيقة.

 

البحث عن رفيق مثالي في مفهوم العلاقات الوثيقة في علم النفس

 

يركز الناس على فئات مماثلة في تقييم زملائهم المحتملين والتي تتمثل في عوامل الشخصية المتعلقة بالدفء والذكاء، والإشارات المتعلقة بالجاذبية والصحة، وامتلاك المكانة و مصادرها، علاوة على ذلك هناك اتفاق ملحوظ عبر كل من الجنس والثقافات بشأن العوامل الأكثر أهمية في اختيار زملائه لعلاقات طويلة الأمد فالفائز هو الدفء والولاء، والثاني القريب هو الجاذبية الجسدية والحيوية العامة وأسفل المسار هو المكانة ومصادره.

 

تشير الأبحاث النفسية في مفهوم العلاقات الوثيقة في علم النفس إلى أن الأفراد لا يختلفون ببساطة فيما إذا كانوا قد وضعوا معايير رفيقهم على أنها متطلبة أم متواضعة، بدلاً من ذلك يعلقون أهمية أكثر أو أقل بشكل مستقل عبر هذه الفئات الثلاث.

 

وبالتالي فإن بعض الأشخاص يبحثون بشكل أساسي عن علاقة تتسم بالتعاطف، بينما يهتم البعض الآخر قليلاً نسبيًا بالعاطفة وينشغلون بالبحث عن الدفء والالتزام، ومع ذلك لا يزال البعض الآخر على استعداد للتضحية إلى حد ما على جبهة العاطفة والألفة إذا كان بإمكانهم الحصول على شريك يتمتع بمكانة وموارد كبيرة.

 

عادةً ما تؤطر النماذج المستندة إلى التطور لاختيار الرفيق المثالي تنبؤاتها وتفسيراتها المتعلقة بهدفين مختلفين تتمثل في البحث عن علاقة قصيرة المدى أو البحث عن رفيق من شأنه أن يكون شريكًا مناسبًا في علاقة ملتزمة طويلة الأمد.

 

حيث يجب التأكيد على أن هذه الأهداف ليست بالضرورة واعية وعادة ما تجد تعبيرها في المشاعر والأهداف، ومنها يتم استغلال هذا التمييز في الأهداف من قبل ستيف جانجيستاد وجيفري سيمبسون للقول إن البشر يمكنهم ويفعلون ذلك في تغيير أهداف العلاقات وفقًا للظروف، ولكن قد يتبنى كل من الرجال والنساء أسلوبًا مميزًا لاختيار الشريك كدالة لتربيتهم الشخصي، الخبرات والحالات الطارئة الظرفية وما إلى ذلك.

 

الحب والالتزام في مفهوم العلاقات الوثيقة في علم النفس

 

أحد أهم التعميمات التي وضعها علماء النفس الاجتماعي هو أن الطريقة التي تتطور بها العلاقات ترتبط ارتباطًا وثيقًا بما يجلبه الناس معهم في العلاقة مثل التصرفات العقلية، أي التوقعات والمعتقدات وسمات الشخصية، كما لوحظ سابقًا يختار الأفراد زملائهم جزئيًا من خلال مدى استيفائهم لمعايير مهمة في أبعاد مثل الدفء والجاذبية والمكانة.

 

ومن ثم توجد أوجه تشابه قوية بين الشركاء حول هذه العوامل، ومع ذلك فإن التوقعات والمعايير لا تذهب أبدًا، فمع تطور المعرفة بالآخر وتغير الأفراد والمفاهيم يستمر الناس في تقييم شركائهم وعلاقاتهم من خلال كيفية تلبية التوقعات والمعايير.

 

علاوة على ذلك تأتي نماذج عمل التعلق بالبالغين في بُعدين أو أنماط عريضة مماثلة لتلك الموجودة في أنماط التعلق بالرضع آمن مقابل متجنب، وقلق أو متناقض، أولئك الذين يمتلكون نماذج عمل مرفقة آمنة غير مفرغة يشعرون بالراحة مع الألفة والقرب ويسعدون بالاعتماد على الآخرين للحصول على الدعم والعون، حيث يرغب الأفراد المتناقضين بشدة في التقارب لكنهم يخشون الرفض ويقظون باستمرار لعلامات تدل على أن شركائهم قد يخونونهم أو يغادرون.

 

نماذج العمل لها نفس الوظائف في التفاعل الاجتماعي فيما يتعلق بالتناقضات بين المعايير وتصورات الشريك أو العلاقة، أي أنها تساعد الناس على تقييم علاقاتهم وشرحها والتنبؤ بها والتحكم فيها.