كان حصار برلين 24 يونيو 1948 – 12 مايو 1949 أحد الأزمات الدولية الرئيسية الأولى للحرب الباردة، وأثناء الاحتلال متعدد الجنسيات لألمانيا ما بعد الحرب العالمية الثانية، منع الاتحاد السوفييتي السكك الحديدية والطرق والقنوات التابعة للحلفاء الغربيين من الوصول إلى قطاعات برلين الواقعة تحت السيطرة الغربية. لقد عرض السوفييت إسقاط الحصار إذا سحب الحلفاء الغربيون المارك الألماني الجديد من برلين الغربية.

لمحة عن حصار برلين:

نظم الحلفاء الغربيون جسر برلين الجوي المعروف أيضاً باسم (Berliner Luftbrücke) حرفياً “جسر برلين الجوي” باللغة الألمانية من 26 يونيو 1948 إلى 30 سبتمبر 1949 لنقل الإمدادات إلى سكان برلين الغربية، وهو إنجاز صعب بالنظر إلى حجم سكان المدينة ثم بدأ الأمريكيون والبريطانيون عملية مشتركة لدعم المدينة بأكملها.


إن أطقم الطائرات الأمريكية، البريطانية، الفرنسية، الكندية، الأسترالية، النيوزيلندية وجنوب إفريقيا: ​​حلق 338 سلاحاً جوياً أكثر من 200000 طلعة جوية في عام واحد؛ لتوفير احتياجات سكان برلين الغربية مثل: الوقود والطعام وكانت الخطة الأصلية هي رفع 3475 طناً من الإمدادات يومياً، لذلك بحلول ربيع سنة 1949 كان هذا الرقم، غالباً ما يتم تحقيقه مرتين حيث بلغ إجمالي التسليم اليومي الذروة 12941 طناً.


في سنة 1949 قام الاتحاد السوفييتي برفع الحصار المفروض على برلين، وعلى الرغم من أن الأمريكيين والبريطانيين واصلوا لفترة في إمداد المدينة من خلال الجو على أي حال؛ لأنهم كانوا قلقين من أن السوفييت سوف يستأنفون الحصار ببساطة، وكانوا يحاولون فقط تعطيل خطوط التوريد الغربية.


لقد انتهى جسر برلين الجوي بشكل رسمي في سنة 1949 بعد 15 شهراً، وسلمت القوات الجوية الأمريكية 1،783،573 طناً (76.40٪ من الإجمالي) وسلاح سلاح الجو الملكي 541937 طناً (23.30٪ من الإجمالي) بإجمالي 2،334،374 طناً ثلثاها تقريباً من الفحم في 278،228 رحلة إلى برلين.



لقد طارت طائرات C-47 و C-54 معاً أكثر من 92.000.000 ميل (148.000.000 كم) في هذه العملية، أي تقريباً المسافة من الأرض إلى الشمس ففي ذروة الجسر الجوي وصلت طائرة واحدة إلى برلين الغربية كل ثلاثين ثانية، حيث تحطمت 17 طائرة أمريكية وثمانية بريطانية خلال العملية، وتم تسجيل إجمالي 101 حالة وفاة نتيجة للعملية، بما في ذلك 40 بريطاني و31 أمريكي معظمهم بسبب حوادث عدم الطيران.


لقد ساعد حصار برلين في تسليط الأضواء على الرؤى الإيديولوجية المتنافسة لأوروبا ما بعد الحرب، حيث قام بلعب دوراً أساسياً في جذب ألمانيا الغربية إلى مدار الناتو بعد عدة أعوام في سنة 1955.

تقسيم ألمانيا بعد حصار برلين:

من 17 يوليو إلى 2 أغسطس 1945 توصل الحلفاء المنتصرون إلى اتفاق بوتسدام بشأن مصير أوروبا ما بعد الحرب داعياً إلى تقسيم ألمانيا المهزومة إلى أربع مناطق احتلال مؤقتة، بالتالي إعادة تأكيد المبادئ التي حددها مؤتمر يالطا سابقاً، وكانت هذه المناطق تقع تقريباً حول المواقع الحالية لجيوش الحلفاء، حيث تم تقسيم برلين أيضاً إلى مناطق احتلال وكانت تقع على بعد 100 ميل (160 كم) داخل ألمانيا الشرقية التي يسيطر عليها السوفييت وسيطرت الولايات المتحدة والمملكة المتحدة وفرنسا على الأجزاء الغربية من المدينة، بينما سيطرت القوات السوفييتية على القطاع الشرقي.

المنطقة السوفيتية وحقوق الحلفاء في الوصول إلى برلين:

في المنطقة الشرقية وحدت السلطات السوفييتية بالقوة الحزب الشيوعي الألماني والحزب الاشتراكي الديمقراطي (SPD) في حزب الوحدة الاشتراكي (SED)، مدعية في ذلك الوقت أنه لن يكون له توجه ماركسي لينيني أو سوفييتي، ثم دعا قادة SED إلى “إقامة نظام ديمقراطي مناهض للفاشية جمهورية ديمقراطية برلمانية” بينما قمعت الإدارة العسكرية السوفيتية جميع الأنشطة السياسية الأخرى، وتم نقل المصانع والمعدات والفنيين والمديرين والموظفين المهرة إلى الاتحاد السوفييتي.


في اجتماع عقد في يونيو سنة 1945 أبلغ ستالين القادة الشيوعيين الألمان أنه يتوقع تقويض الموقف البريطاني ببطء داخل منطقة احتلالهم، وأن الولايات المتحدة ستنسحب في غضون عام أو عامين وأن لا شيء سيعترض طريق ألمانيا الموحدة تحت الاحتلال والسيطرة الشيوعية داخل المدار السوفييتي، حيث أخبر ستالين وقادة آخرون الوفود البلغارية واليوغوسلافية الزائرة في أوائل سنة 1946 أن ألمانيا يجب أن تكون سوفييتية وشيوعية.


يوجد عامل آخر ساهم في الحصار هو أنه لم يكن هناك اتفاق رسمي يضمن وصول السكك الحديدية والطرق إلى برلين عبر المنطقة السوفييتية، وفي نهاية الحرب اعتمد القادة الغربيون على حسن النية السوفييتية لمنحهم إمكانية الوصول، ففي ذلك الوقت افترض الحلفاء الغربيون أن رفض السوفييت منح أي وصول للبضائع بخلاف خط سكة حديد واحد، ويقتصر على عشرة قطارات في اليوم كان مؤقتاً لكن السوفييت رفضوا التوسع في مختلف الطرق الإضافية التي تم اقتراحها لاحقاً.


كما منح السوفييت ثلاثة ممرات جوية فقط للوصول إلى برلين من هامبورغ وبوكيبورغ وفرانكفورت وفي سنة 1946، توقف السوفييت عن تسليم البضائع الزراعية من منطقتهم في شرق ألمانيا ورد القائد الأمريكي لوسيوس دي كلاي بوقف شحنات الصناعات المفككة من ألمانيا الغربية إلى الاتحاد السوفييتي، رداً على ذلك بدأ السوفييت حملة علاقات عامة ضد السياسة الأمريكية وبدأوا في عرقلة العمل الإداري لجميع مناطق الاحتلال الأربعة حتى بدء الحصار في سنة 1948، لم تكن إدارة ترومان قد قررت ما إذا كان ينبغي بقاء القوات الأمريكية في برلين الغربية بعد إنشاء حكومة ألمانيا الغربية المخطط لها في سنة 1949.

التركيز على برلين وانتخابات عام 1946:

أصبحت برلين بسرعة النقطة المحورية لكل من الجهود الأمريكية والسوفييتية لإعادة مواءمة أوروبا مع رؤى كل منهما، كما أشار وزير الخارجية السوفييتي فياتشيسلاف مولوتوف “ما يحدث لبرلين يحدث لألمانيا وما يحدث لألمانيا يحدث لأوروبا”، حيث عانت برلين من أضرار جسيمة انخفض عدد سكانها قبل الحرب البالغ 4.3 مليون شخص إلى 2.8 مليون.


بعد المعاملة القاسية والهجرة القسرية والقمع السياسي وشتاء 1945 – 1946 القاسي بشكل خاص كان الألمان في المنطقة التي يسيطر عليها السوفييت معاديين للمساعي السوفييتية، حيث أدت الانتخابات المحلية في سنة 1946 إلى تصويت احتجاجي ضخم مناهض للشيوعية، وخاصة في القطاع السوفييتي من برلين، وانتخب مواطنو برلين بأغلبية ساحقة أعضاء غير شيوعيين في حكومة المدينة.

الانقسام السياسي في حصار برلين:

قررت الولايات المتحدة سراً أن ألمانيا الموحدة والمحايدة ستقع حتما تحت الهيمنة السوفييتية، حيث قال السفير بيدل للجنرال أيزنهاور أنه “على الرغم من موقفنا المعلن فإننا في الحقيقة لا نريد ولا ننوي قبول توحيد ألمانيا بأي شروط قد يوافق الروس على ذلك، وعلى الرغم من أنهم يلبون على ما يبدو معظم متطلباتنا”، حيث كان المخططون الأمريكيون قد قرروا بشكل خاص خلال الحرب أنها ستحتاج إلى ألمانيا متحالفة قوية للمساعدة في إعادة بناء اقتصاد أوروبا الغربية.


لتنسيق اقتصادات مناطق الاحتلال البريطانية والأمريكية تم دمج هذه المناطق في 1 يناير 1947 في ما كان يشار إليه باسم بيزوني وأعيدت تسميته “المنطقة الثلاثية” عندما انضمت فرنسا في 1 يونيو 1948، ثم بعد مارس 1946 تم إنشاء المجلس الاستشاري البريطاني للمناطق (Zonenbeirat) مع ممثلين عن الولايات والمكاتب المركزية والأحزاب السياسية والنقابات العمالية ومنظمات المستهلكين.


كما يتضح من اسمه فإن المجلس الاستشاري للمنطقة ليس له سلطة تشريعية، ولكنه كان مجرد استشاري واتخذت لجنة الرقابة لألمانيا – بريتيش إليمنت جميع القرارات بسلطتها التشريعية، لذلك كرد فعل على التقدم السوفييتي والبريطاني في أكتوبر 1945 شجع مكتب الحكومة العسكرية الولايات المتحدة (OMGUS) الولايات في منطقة الولايات المتحدة على تشكيل هيئة تنسيقية تسمى (Länderrat) (مجلس الولايات) مع سلطة التشريع لمنطقة الولايات المتحدة بأكملها.


أنشأت هيئاتها المركزية الخاصة (أوشوس أو اللجان المشتركة بين الولايات) برئاسة أمانة مقرها في شتوتغارت، في حين أن الإدارات المركزية البريطانية والسوفييتية كانت مؤسسات متحالفة، فإن لجان المناطق الأمريكية هذه لم تكن أقساماً فرعية تابعة لـ (OMGUS) ولكنها كانت بدلاً من ذلك هيئات مستقلة للحكم الذاتي الألماني تحت إشراف (OMGUS).

الأحداث بعد حصار برلين:

تم تعيين التحكم التشغيلي في الممرات الجوية الثلاثة للحلفاء إلى (BARTCC) (مركز مراقبة حركة المرور في برلين الجوي) الموجود في تمبلهوف، حيث تم منح الموافقة الدبلوماسية من قبل منظمة من أربع قوى تسمى مركز برلين للسلامة الجوية وتقع أيضاً في القطاع الأمريكي.


بعد الحرب العالمية الثانية مال الألمان إلى تفضيل العيش في ألمانيا الغربية على ألمانيا الشرقية، وأصبحت برلين طريقاً رئيسياً للفرار للأشخاص الراغبين في مغادرة مجال النفوذ السوفييتي للغرب، حيث أدى ذلك إلى صراع القوى الكبرى على برلين، والذي امتد على الأقل من سنة 1946 إلى بناء جدار برلين في سنة 1961.


بعد أن تم استبدال الرئيس الأمريكي ترومان بآيزنهاور في سنة 1953 وأصبح خروتشوف رئيساً لدولة الاتحاد السوفييتي في سنة 1958، حيث حاول خروتشوف دفع أيزنهاور إلى برلين في 1958 – 1959، وتراجع السوفييت عندما بدا أن عزم أيزنهاور يتطابق مع قرار ترومان، حيث عندما تم استبدال أيزنهاور بكينيدي في سنة 1961 حاول خروتشوف مرة أخرى وكانت النتيجة نفسها.


في أواخر الخمسينيات من القرن الماضي أصبحت مدارج مطار تمبلهوف بوسط مدينة برلين الغربية أقصر من أن تستوعب الجيل الجديد من الطائرات النفاثة، حيث تم تطوير تيغيل ليصبح المطار الرئيسي في برلين الغربية وخلال السبعينيات والثمانينيات كان لشونفيلد نقاط عبور خاصة بها عبر جدار برلين والتحصينات الشيوعية للمواطنين الغربيين.