مفهوم القلق في علم النفس الاجتماعي:

 

يتمثل مفهوم القلق في علم النفس الاجتماعي في حالة عاطفية مزعجة تتميز بالتوتر والتخوف المستقبلي، حيث يحدث ذلك استجابة لتهديد محسوس، والذي يكون في حالة الخوف محددًا إلى حد ما ويمكن التعرف عليه على سبيل المثال من خلال رؤية ثعبان، ولكن في حالة القلق يميل إلى أن يكون غامضًا ومثيرًا للتعليق على سبيل المثال إلقاء خطاب أمام الجمهور الجماعي، أي أنه يعتبر استجابة دفاعية تشير إلى الخطر.

 

مثل المشاعر الأخرى يُعتقد أن مفهوم القلق له وظيفة مهمة تتعلق بالبقاء، وفي الساحة الاجتماعية في علم النفس الاجتماعي يتمثل في التهديد وهو الضرر المحتمل المتصور على احترام الذات أو تقدير الذات أو مفهوم الذات للشخص، ويمكن أن يكون القلق محددًا بمجال معين على سبيل المثال القلق من النص وقلق التحدث أمام الجمهور، ويمكن أن يساعد القلق الفرد في تحديد حدث سلبي والتعامل معه؛ وذلك إذا كان القلق مفرطًا أو لا يمكن السيطرة عليه، فهو غير قادر على التكيف.

 

خلفية وتاريخ مفهوم القلق في علم النفس الاجتماعي:

 

لمفهوم القلق تاريخ طويل ومبجل في علم النفس، حيث يبدأ على الأقل مع سيغموند فرويد الذي قدم تصورًا مبكرًا واحدًا، حيث أنه قد رأى القلق على أنه إشارة تحذير بأن شيئًا ما قد يحدث، وبالنسبة لفرويد كان القلق النفسي العصبي هو الشغل الشاغل، الذي يتمثل في مفهوم الخوف اللاواعي من أن الدوافع الجوهرية أي في أن مفهوم الهوية قد تتولى زمام الأمور وتقود الشخص إلى القيام بأشياء قد يعاقب عليها، أي أن مفهوم القلق هو إشارة للجانب العقلاني أي الأنا، والقلق اللاواعي يعكس المعركة النفسية الداخلية بين هذه القوى النفسية.

 

وصف علماء النفس اللاحقين الذين يطلق عليهم أحيانًا ما بعد فرويد، القلق بأنه مفهوم أساسي ينبع من تبعية الطفل خاصة الشعور بالعزلة والعجز في عالم يحتمل أن يكون معاديًا، ومع ذلك فإن النشأة في منزل حاضن حيث يسود الأمن والثقة والحب والتسامح والدفء يمكن أن يحل محل هذه المخاوف من التخلي عنها وينتج علاقات أكثر تكيفًا مع الآخرين.

 

يحظى أبراهام ماسلو بتقدير كبير لاقتراحه بشأن التسلسل الهرمي للاحتياجات وتركيزه على الجانب الإيجابي للتجربة البشرية أي تحقيق الذات، لكنه معروف أيضًا بوضع احتياجات السلامة والأمن الجسدي في مستوى أساسي على التسلسل الهرمي، مما يشير إلى أنه يجب إشباعها قبل أن تتحقق الاحتياجات الأعلى مثل الحب والاحترام والتطبيق.

 

مهدت هذه الأفكار الطريق للبحث النفسي المعاصر حول نظرية التعلق، حيث يمكن أن يثبت الارتباط العاطفي بين مقدم الرعاية والطفل إما أنه آمن ويمكن الاعتماد عليه أي آمن أو غير آمن، حيث أصبحت أهمية الارتباط والشعور بالانتماء والثقة في العلاقات موضوعات مركزية لعلم النفس الاجتماعي المعاصر، وتُظهر أنماط التعلق لدى البالغين أن أنماط التعلق بالرضع هذه إما تستمر حتى مرحلة البلوغ أو تظهر مرة أخرى في العلاقات القريبة طويلة الأمد بين البالغين.

 

يمكن أيضًا إرجاع الجذور النفسية الاجتماعية لبناء مفهوم القلق إلى فرضية ويليام جيمس القائلة بأن الحالة العاطفية هي نتيجة تفاعل التغيرات الجسدية والحياة المعرفية، حيث ترى نظرية العامل الشهير لستانلي شاتشر وجيروم سينجر أن الحالة العاطفية هي مزيج من الإثارة الفسيولوجية المنتشرة إلى جانب التفسير المعرفي لتلك الإثارة.

 

عندما يتم التعرف على مصدر الإثارة بسهولة، يتم تصنيف المشاعر بسهولة، ومع ذلك عندما لا يُتوقع حدوث استثارة يخضع الناس لإشارات في البيئة المحيطة بهم من شأنها أن تحفز المشاعر أي أنها تعتبر بمثابة دوافع إنسانية، وذلك عندما تكون هذه الإشارات غامضة وغير محددة التعريف، فقد تكون التجربة الذاتية مهددة وقد تؤدي إلى مفهوم القلق.

 

طبيعة مفهوم القلق في علم النفس الاجتماعي:

 

يُنظر إلى مفهوم القلق عمومًا على أنه يحتوي على مجموعة من الأجزاء المكونة التي تشمل الوظائف المعرفية والفسيولوجية والعاطفية والسلوكية، أحد المكونات المعرفية في مفهوم القلق هو توقع خطر غير مؤكد، حيث يستهلك القلق أيضًا قدرة الانتباه، وإحدى النتائج في هذا المجال هي أن الأشخاص الذين يعانون من قلق شديد من الاختبار أو قلق اجتماعي مرتفع يصبحون أقل كفاءة في تصرفاتهم أي السلوك الإنساني، وذلك بمجرد إثارة القلق وانقسام انتباههم.

 

يتضح التأثير المُربك للقلق على السلوك الإنساني من خلال العدد الكبير من الأخطاء في المهام المتعلقة بالأداء، مثل الأفراد القلقين من الكلام الذين يرتكبون المزيد من أخطاء الكلام ويتلعثمون أكثر وينتجون المزيد من أصوات مثل أمم.

 

يحفز مفهوم القلق أيضًا اليقظة الشديدة والاهتمام بالتهديد، حيث يكون الأفراد القلقين أسرع في العثور على التهديد حتى في مهمة التعرف على الكلمات أي الكلمات التهديدية التي تتضمن أوقات رد الفعل تقاس بأجزاء من الثانية، بالتالي يوضح هذا أسلوب معالجة المعلومات الذي يركز على التهديد.

 

يرتبط مفهوم القلق بزيادة في تفاعل القلب، على سبيل المثال معدل ضربات القلب وضغط الدم ومع المؤشرات الفسيولوجية الأخرى، على سبيل المثال تدفق الدم إلى مجموعات العضلات الرئيسية والتعرق والارتعاش وما إلى ذلك، يتميز الاستثارة الفسيولوجية بتنشيط متزايد للجهاز العصبي التلقائي ويعمل على تنشيط السلوك الإنساني، حيث يمكن تفسير الاستثارة الفسيولوجية بشكل إيجابي مثل الابتهاج أو المفاجأة أو الانجذاب أو بشكل سلبي مثل الخوف أو الغضب أو التوتر.

 

يتفق معظم باحثي الدماغ المعاصرين على وجود مسارين مختلفين تشريحيًا يفسران الاستثارة الفسيولوجية في مفهوم القلق يتمثل في نظام النهج السلوكي ونظام التثبيط السلوكي، حيث أن نظام النهج السلوكي حساس للمثيرات الإيجابية ويؤدي إلى حالة عاطفية ممتعة، ونظام التثبيط السلوكي هو نظام مواز يرتبط بالخطر والعقاب، مما يؤدي إلى تفسيرات غير مقبولة للأحداث.

 

يرتبط نظام النهج السلوكي بالحالة العاطفية للقلق، حيث يساعد هذا الارتباط في تفسير سبب ارتباط القلق بمحاولات الهروب أو تجنب الأشياء غير السارة، على سبيل المثال القلق بشأن ارتكاب الأخطاء وحجب الردود، والسلوكيات الشبيهة بالخجل مثل تجنب النقد أو الرفض.

 

غالبًا ما يتم تمييز القلق من حيث حالته أو طبيعته، مثل قلق الحالة الذي يتمثل في إثارة عاطفية عابرة غير سارة تنبع من تقييم معرفي لتهديد من نوع ما، وسمة القلق هي سمة شخصية مستقرة أي اختلاف فردي مستقر في الميل للاستجابة للتهديد بقلق الحالة، وأحد الاختبارات النفسية الشائعة لتحديد القلق هو جرد قلق سمات الدولة لتشارلز سبيلبرجر وزملاؤه، وقد ميزت الأبحاث أيضًا بين عنصر القلق أي الإدراكي للقلق ومكون الانفعالات أي الاستثارة للقلق.