الفكرة الأساسية هنا هي أنّ الوجود البشري بطريقة ما “منعزل”، ويعد القلق (أو الكرب) هو الاعتراف بهذه الحقيقة، فكما يرى كيركجارد أنّ تفسير هيجل للدين من منظور تاريخ الروح المطلقة هو خلط نموذجي بين الإيمان والعقل، وبدلاً من ذلك قد يكون ادعاءً لاهوتيًا أكثر تحديدًا حيث إنّ وجود إله متعالي لا علاقة له (أو يضر بشكل إيجابي) بمثل هذه القرارات (وجهة نظر يشاركها على نطاق واسع نيتشه وسارتر)، وقد يدل الوجود بمفرده على تفرد الوجود البشري، وبالتالي حقيقة أنّه لا يستطيع فهم نفسه من منظور أنواع الوجود الأخرى (هايدجر وسارتر).

تأثير القلق في الفلسفة الوجودية:

إنّ القلق له تأثيران مهمان وهما كما يلي:

  1. أولاً بشكل عام يميل العديد من الوجوديين إلى التأكيد على أهمية العواطف أو المشاعر بقدر ما كان يُفترض أنّ لديهم علاقة أقل ثقافيًا أو فكريًا بالوجود الفردي والمنفصل، تم العثور على هذه الفكرة في Kierkegaard ،وفي مناقشة Heidegger “المزاج”، وكما إنّه أيضًا أحد أسباب تأثير الوجودية على علم النفس.

  2. ثانيًا يرمز القلق أيضًا إلى شكل من أشكال الوجود أ ي هو الاعتراف بالوجود بمفرده، ويختلف معنى “كونك وحيدًا” بين الفلاسفة، فعلى سبيل المثال قد يعني عدم ملاءمة (أو حتى التأثير السلبي) للفكر العقلاني أو القيم الأخلاقية أو الدليل التجريبي، عندما يتعلق الأمر بإتخاذ قرارات أساسية بشأن وجود المرء.

القلق في الفلسفة الوجودية:

كمسند للوجود لم يتم تأسيس مفهوم الحرية في البداية على أساس الحجج ضد الحتمية، كما أنّه لا يُؤخذ على الطريقة الكانطية، وببساطة على أنّه معطى للوعي الذاتي العملي، وبدلا من ذلك يقع في انهيار النشاط العملي المباشر حيث إنّ “الدليل” على الحرية ليس مسألة تتعلق بالوعي النظري أو العملي ولكنّه ينشأ من الفهم الذاتي الذي يصاحب حالة مزاجية معينة قد أقع فيها أي القلق (القلق – angoisse).

يعتقد كل من هيدجر وسارتر أنّ التحليل الفينومينولوجي لنوع القصدية الذي ينتمي إلى الحالة المزاجية لا يسجل مجرد تعديل عابر للنفسية ولكنه يكشف عن الجوانب الأساسية للذات، فعلى سبيل المثال الخوف يكشف عن بعض مناطق العالم على أنّها تهديد وكذلك عن بعض العناصر التي فيها كتهديد وأنني شخص معرض للخطر، وكذلك الأمر في القلق كما في الخوف أدرك نفسي على أنني مهدد أو ضعيف ولكن على عكس الخوف فإنّ القلق ليس له هدف مباشر ولا يوجد شيء في العالم يهدد.

وهذا لأنّ القلق يسحبني تمامًا من دائرة تلك المشاريع بفضل الأشياء التي توجد بالنسبة لي بطرق ذات مغزى، فلم يعد بإمكاني “التجهيز” للعالم، ومع هذا الانهيار لإنغماسي العملي في الأدوار والمشاريع أفقد أيضًا الإحساس الأساسي بمن أنا الذي توفره هذه الأدوار، ومن خلال حرماني من إمكانية التحديد الذاتي العملي يعلمني القلق أنني لا أتطابق مع أي شيء أنا عليه في الواقع.

علاوة على ذلك نظرًا لأنّ الهوية المرتبطة بهذه الأدوار والممارسات دائمًا ما تكون نموذجية وعلنية، فإنّ انهيار هذه الهوية يكشف في النهاية عن جانب شخصي أول من شخصي لا يمكن اختزاله بالنسبة إلى داس مان، وكما قال هايدجر فإنّ القلق يشهد على نوع من “الانغماس الوجودي”، وهذا الشخص متردد لأن التشويش والطرد والتراجع إلى نفسي في القلق هو الذي ينتج الشخصية الوجودية للغريب.

فالشخص المعزول الذي “يرى من خلال” زيف أولئك الذين غير مدركين لما ينذر بإنهيار القلق ويعيشون حياتهم وتحديد أدوارهم برضا عن النفس كما لو أنّ هذه الأدوار حددتهم بدقة، في حين أنّ هذا الموقف “الخارجي” قد يكون من السهل الإستهزاء به بإعتباره استيعاب المراهق لذاته، إلّا أنّه مدعوم بقوة أيضًا بالظواهر (أو علم النفس الأخلاقي) لتجربة الشخص الأول.

مفهوم العبثية -السخافة- في الفلسفة الوجودية:

تنتج تجربة القلق أيضًا الموضوع الوجودي للسخافة والعبثية، وهو نسخة مما يدعى على أنّه اغتراب عن العالم، طالما أنّ الفرد أستعد للعالم عمليًا بطريقة سلسة وممتعة، فإنّ الأشياء تقدم نفسها على أنّها منسقة بشكل هادف مع المشاريع التي يشارك فيها، فلقد أظهروا له الوجه المرتبط بما يفعله.

لكن العلاقة بين هذه المعاني والمشاريع ليست في حد ذاتها شيئًا يختبر، بل وبدلاً من ذلك فإن فائدة المطرقة وقيمتها كمطرقة تبدو ببساطة وكأنها تنتمي إليها بنفس طريقة وزنها أو لونها، وما دام الفرد منخرطًا عمليًا، أي باختصار يبدو أنّ كل الأشياء لها أسباب الوجود، وأنا بشكل متناسب أختبر نفسي تمامًا في المنزل في العالم.

فالعالم له نظام شفاف إلى حد كبير بالنسبة لي كـ”أنا” (حتى أسراره يتم فهمها ببساطة على أنّها شيء توجد أسبابه “للآخرين” و “الخبراء” وخارج أفق محدود فقط)، ومع ذلك في مزاج القلق فإنّ هذه الشخصية فقط هي التي تتلاشى من العالم، ونظرًا لأنني لم أعد منخرطًا عمليًا فإنّ المعنى الذي كان يسكن هذا الشيء سابقًا نظرًا لكثافة كيانه يحدق بي الآن بإعتباره مجرد اسم كشيء “أعرفه” ولكنه لم يعد يطالبني.

وكما هو الحال عندما يكرر المرء كلمة حتى تفقد المعنى فإن القلق يقوض الإحساس بالأشياء المسلم به، ويصبحون سخيفين، فالأشياء لا تختفي ولكن كل ما تبقى منها هو الإدراك الفارغ بأنّها تجربة تُعلم المشهد المركزي في رواية سارتر “الغثيان”، حيث ذكر سارتر: “بينما يجلس روكوينتين Roquentin في حديقة يفقد جذر الشجرة طابعه المألوف حتى يتم التغلب عليه بالغثيان بسبب طابعه الغريب تمامًا كونه غير مألوف.”

في حين أنّ هذه التجربة ليست أكثر أصالة من تجربتي العملية المتفاعلة في عالم ذي معنى، فهي ليست أقل أصالة أيضًا، حيث يجب أن يتعرف التفسير الوجودي للمعنى والقيمة على كلا الاحتمالين (ووسطاءهما)، والقيام بذلك يعني الاعتراف ببعض العبثية في الوجود أي على الرغم من أنّ للعقل والقيمة موطئ قدم في العالم (فهما ليسا في النهاية اختراعي التعسفي)، إلّا أنّهما يفتقران إلى أي أساس نهائي، والقيم ليست متأصلة في الوجود وفي مرحلة ما تتنازل الأسباب.

مفهوم العدم في الفلسفة الوجودية:

مصطلح آخر لا أساس له من عالم المعنى هو “العدم”، حيث قدم هايدجر هذا المصطلح للإشارة إلى نوع فهم الذات والعالم الذي ينشأ في القلق أي لأنّ هويتي العملية تتشكل من خلال الممارسات التي أشارك فيها، وعندما تكون هذه الإنهيار “أنا” لست شيئًا، وبطريقة التحدث أجد نفسي وجهاً لوجه مع نهايتي “موتي”، كإحتمال لم أعد قادرًا على أن أكون فيه شيئًا.

يمكن أن تكون تجربة موتي أو “العدم” في القلق بمثابة حافز على الأصالة أي لقد أدركت أنني “لست” شيئًا ولكن يجب أن “أجعل نفسي” من خلال اختياري، وعندما ألتزم بنفسي في مواجهة الموت أي إدراك لا شيء في هويتي إذا لم أؤيده حتى النهاية، فإنّ الأدوار التي شاركت فيها حتى الآن بلا تفكير كما أصبح المرء الآن شيئًا أتحمله بنفسي ليصبح مسؤولاً.

أطلق هايدجر على هذا النمط من الوعي الذاتي أي إدراك العدم المطلق لهويتي العملية بمصطلح “الحرية”، وطور سارتر هذا المفهوم الوجودي للحرية بتفاصيل غنية، وهذا لا يعني أنّ آراء هايدجر وسارتر حول الحرية متطابقة، وسيؤكد هايدجر على سبيل المثال أنّ الحرية دائمًا “تُلقى” في وضع تاريخي تستمد منه إمكانياتها، بينما سيؤكد سارتر (الذي يدرك أيضًا “واقعية” اختياراتنا) أنّ مثل هذه “الاحتمالات” مع ذلك تقلل خيار، لكن نظرية الحرية الراديكالية التي طورها سارتر متجذرة بشكل مباشر في تفسير هايدجر لعدم هويتي العملية.

يجادل سارتر بأنّ القلق يوفر تجربة واضحة لتلك الحرية التي رغم إخفاءها في كثير من الأحيان تميز الوجود الإنساني على هذا النحو، وبالنسبة له الحرية هي خلع الوعي عن موضوعه “النفي” الأساسي أو النفي الذي يمكن للوعي بواسطته أن يدرك موضوعه دون أن يفقد نفسه فيه أي أن تكون واعيًا بشيء ما يعني أن تدرك أنّه ليس كيانه، فـ”لا” التي تنشأ في نفس بنية الوعي على أنّه لذاته.

ولأن “العدم” هو بالضبط ما هو الوعي فلا يمكن أن يكون هناك أشياء في الوعي ولكن فقط أشياء للوعي، هذا يعني أنّ الوعي حر جذريًا لأنّ بنيته تمنع احتوائه على الأشياء أو التصرف بناءً عليها، فعلى سبيل المثال نظرًا لأنّه لا يشبه الشيء فإنّ الوعي حر فيما يتعلق بحالاته السابقة، فلا يمكن فهم الدوافع والغرائز والقوى النفسية وما شابه ذلك على أنّها سكان للوعي الذين قد يصيبون الحرية من الداخل، مما يدفع المرء إلى التصرف بطرق لا يكون الشخص مسؤولاً عنها، وبدلاً من ذلك يمكن أن توجد فقط للوعي كمسائل اختيار، حيث يجب أن أرفض مزاعمهم أو أعترف بهم.

بالنسبة لسارتر تستلزم حرية الوجود الأنطولوجية أنّ الحتمية هي عذر قبل أن تكون نظرية أي على الرغم من أنّه من خلال بنيتها الخاصة بوعي العدم يفلت مما قد يعرّفها بما في ذلك خياراتها وسلوكها السابق.

وكما أوضح سارتر بتفصيل كبير فإنّ الكرب بإعتباره وعي الحرية، ليس شيئًا يرحب به البشر، وبدلاً من ذلك فنحن نسعى إلى الإستقرار والهوية، ولا نتبنى لغة الحرية إلا عندما يناسبنا ذلك أي هذه الأعمال أعتبرها أفعالي الحرة التي تتطابق تمامًا مع الذات التي أريد أن يتخذها الآخرون.

نحن “محكومون بأن نكون أحرارًا”، مما يعني أنّه لا يمكننا أبدًا أن نكون ببساطة من نحن ولكننا منفصلون عن أنفسنا بسبب عدم وجود إعادة اختيار أو إعادة التزام أنفسنا بما نفعله، ومن سمات النظرة الوجودية فكرة أننا نقضي الكثير من حياتنا في وضع استراتيجيات لإنكار أو التهرب من معاناة الحرية، وهي إحدى هذه الاستراتيجيات هي “سوء النية”.