إن احتياجات التكيف مع الحاضر الذي نعيش فيه والمستقبل الذي لا نعلمه أو نجهله تشكل تحدي هائل لمؤسسات التربية والتعليم بصورة خاصة، وفي عالم سريع التغير يشهد تحولات جذرية في ميادين الحياة المختلفة وتتضاعف فيه معارف البشرية كل ثلاث سنوات أو أقل تصبح رعاية الموهوبين والمتفوقين قضية حياة أو موت بالنسبة للمجتمعات.

 

التحديات المعاصرة في برامج الموهوبين والمتفوقين:

 

1- التحدي التكنولوجي:

 

شهدت العقود الماضية تحولاً من تكنولوجيا صناعة البضائع والمعدات إلى تكنولوجيا صناعة المعلومات، وأصبحت المعلوماتية هي المحدد الرئيس الجديد لتوازنات القوة في النظام العالمي والعامل الحاسم فيه، وترتب على ذلك تغيراً في مراكز القوى التقليدية في المجالات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والعلمية تمثل في ظهور طبقة يتصدرها نخبة من الأفراد وعدد قليل من المؤسسات.

 

والمجتمعات التي تحتكر صناعة المعلومات فهي تكون مفاتيح قوة والسيطرة للمجتمع على المعايير الوطنية والاقليمية والدولية، ولا شك أن مصطلح عالم القرية الذي برز خلال العقد الماضي، وأخذت معالمه تتضح بصورة متسارعة وبأشكال متعددة، هو في الحقيقة نتاج طبيعي لتكنولوجيا المعلومات والاتصالات التي تزيل معها حدود المكان والزمان والسيادة، وتكاد تكون بكل الثوابت التي ظلت لقرون عديدة بمثابة قواعد راسخة للنظم التربوية والاجتماعية والاقتصادية.

 

وإن التحدي التكنولوجي والمعلوماتي يحتل الدرجة الأولى على كل التحديات المستقبلية التي يتعرض لها العالم، وأن التحدي التكنولوجي والمعلوماتي هو من أفضل التحديات التي تواجه المؤسسات التربوية، وإذا سلمنا باستحالة العودة بالمجتمع إلى الوراء وليست المشكلة في قبول التعامل مع  هذه التكنولوجيا أو رفضها؛ نظراً لأنها تعمقت في حياتنا اليومية شئنا أم أبينا بصور شتی وبتسارع محوظ لا نملك وقفه أو الهروب منه.

 

فإن الاستنتاجات المنطقية تضعنا أمام خيارين فإما أن نستوعب هذه التكنولوجيا ونُحسن التعامل معها والإفادة منها، وإما أن تستوعبنا هي وتتحكم في مصيرنا، وبالتالي تحولنا إلى عبيد مستهلكين لمعارف الآخرين ولا مكان لنا بين الأمم والشعوب المتقدمة، وبالتالي لا مفر أمامناً سوى أن نتعامل معها بفاعلية.

 

وإن المعلوماتية عبارة عن منظومة متكاملة من الموارد والأنشطة والعمليات والإجراءات والوسائل المتطورة ذات العلاقة بإنتاج المعلومات وتنظيمها وإدارتها وإيضاً واسترجاعها؛ من أجل تطوير جميع جوانب حياة الانسان والمجتمع، وإذا كانت أهم مكوناتها هي الحاسبات الالكترونية وملحقاتها، والبرمجيات وسائل الاتصال بأنواعها المختلفة، فإن العقل البشري يشكل العصب الرئيس لصناعتها وإدارتها ونشرها، وإذا كان الأمر كذلك فهل يمكن أن نواجه هذا التحدي بنجاح دون استثمارات هائلة في رعاية الأطفالنا والشباب الموهوبين والمبدعين.

 

2- التحدي التربوي:

 

عندما نتحدث عن تربية الموهوبين والمبدعين في العالم، فلا بد أن تتصدى للحديث عن المؤسسات التربوية وتطوير التعليم العام والجامعي، وفي هذا المجال يمكن القول بأن أغلب البلدان حققت تقدم كبير من الناحية الكمية ولا سيما في مجال تعميم  التعليم ونشره، وأن العقد الماضي شهد اهتماماً واسعاً بالتوير النوعي لهذا التعليم وبالرغم من النجاحات المحدودة التي حققتها بعض البلدان في بعض جوانب عملية التطوير التربوي.

 

وأن الشواهد ماثلة على أن واقع التربية كان ولا يزال يعاني مجموعة من الأزمات والمعضلات يمكن تلخيصها فيما يأتي، إن شعار التعليم للجميع الذي تبناه المجتمع الدولي عام (1990) والدليل على ذلك أن الممارسات التعليمية في الصفوف جماعية التوجه ولا تأخذ في عين الاعتبار احتياجات الطلبة الذين يكونون تحت مظلة التربية الخاصة كالموهوبين وذوي صعوبات التعلم.

 

ويمكننا أيضاً تشبيه المدارس بشكل عام بالبنوك، فهي تضع المعلومات والبيانات في أدمغة الطلاب وتقوم باسترجاعها بأوراق الامتحانات.

 

3- التحدي الأمني:

 

تحديات تتطلب أو تحتاج بالضرورة استثمار جميع الطاقات والموارده البشرية لضمان مصالحه المشروعة، وقد يكون من المناسب معالجة بعدين أساسيين لثقافة العولمة والتجارة الحرة هما انحسار دور القطاع العام والتوجه نحو التخاصية ورفع القيود القائمة بين دول فيما بتعلق أو يخص التجارة وتبادل السلع وترك آلية السوق لتحدد وتبيين طبيعة التنافس بين المنتجين والالتزام أو التقيد بحقوق الفكرية.

 

وأيضاً دخول قيم ومتغيرات ثقافية ونماذج فكرية مصاحبة لثقافة العولمة والتجارة الحرة، ولا نملك أن نتجاهلها أو نهرب من مواجهتها ،أما بالنسبة للاهتمام برعاية الموهوبين في المجتمع من أجل مواجهة هذه التحديات أنه كان متزامن أو لاحقاً لبروز قضية هجرة العقول واستنزاف طاقاتهم الإبداعية.